يقول العلامة سيد قطب (والقاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام- علي مدار التاريخ البشري- هي قاعدة:"شهادة أن لا اله إلا الله"أي أفراد الله- سبحانه- بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية .. إفراده بها اعتقادً في الضمير، وعبادة في الشعائر، وشريعة في واقع الحياة. فشهادة أن لا اله إلا الله، لا توجد فعلًا، ولا تعتبر موجودة شرعًا إلا في هذه الصورة المتكاملة التي تعطيها وجودًا جديًا حقيقيًا يقوم عليه اعتبار قائلها مسلمًا أو غير مسلم.
ومعني تقرير هذه القاعدة من الناحية النظرية .. أن تعود حياة البشر بجملتها إلي الله، لا يقضون هم في أي شأن من شؤونها، ولا في أي جانب من جوانبها، من عند أنفسهم، بل لابد لهم أن يرجعوا إلي حكم الله فيها ليتبعوه .. وهو رسول الله. وهذا يتمثل في شطر الشهادة الثاني من ركن الإسلام الأول:"شهادة أن محمد رسول الله".
هذه هي القاعدة النظرية التي يتمثل فيها الإسلام ويقوم عليها .. وهي تنشئ منهجًا كاملًا للحياة حين تطبق في شؤون الحياة كلها، يواجه به المسلم كل فرع من فروع الحياة الفردية والجماعية في داخل دار الإسلام وخارجها، في علاقاته بالمجتمع المسلم وفي علاقات المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخري0 [1]
ولكن الإسلام- كما قلنا- لم يكن يملك أن يتمثل في (نظرية) مجردة، يعتنقها من يعتنقها اعتقادًا ويزاولها عبادة، ثم يبقي معتنقوها علي هذا النحو أفرادًا ضمن الكيان العضوي للتجمع الحركي الجاهلي القائم فعلًا. فان وجودهم علي هذا النحو- مهما كثر عددهم- لا يمكن ان يؤدي إلي"وجود فعلي"للإسلام، لان الأفراد (المسلمين نظريًا) الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلون مضطرون حتمًا للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوي .. سيتحركون- طوعًا او كرهًا، بوعي أو بغير وعي- لقضاء الحاجات الأساسية لحياة هذا المجتمع الضرورية لوجوده، وسيدافعون عن كيانه، وسيدفعون العوامل التي تهدد وجوده وكيانه، لان الكائن العضوي يقوم بهذه الوظائف بكل أعضائه سواء أرادوا أم لم يريدوا .. أي أن الأفراد (المسلمين نظريًا) سيظلون يقومون (فعلا) بتقوية المجتمع الجاهلي الذي يعملون (نظريًا) لإزالته، وسيظلون خلايا حية في كيانه تمده بعناصر البقاء والامتداد! وسيعطونه كفاياتهم وخبراتهم ونشاطهم ليحيا بها ويقوي، وذلك بدلًا من أن تكون حركاتهم في اتجاه تقويض هذا المجتمع الجاهلي لإقامة المجتمع الإسلامي!
ومن ثم لم يكن بد أن تتمثل القاعدة النظرية للإسلام (أي العقيدة) في تجمع عضوي حركي منذ اللحظة الأولي .. لم يكن بد أن ينشأ تجمع عضوي حركي آخر غير التجمع الجاهلي، منفصل ومستقل عن التجمع العضوي الحركي الجاهلي الذي يستهدف الإسلام إلغاءه، وان يكون محور التجمع الجديد هو القيادة الجديدة المتمثلة في رسول الله- صلي الله عيه وسلم- ومن بعده في كل قيادة إسلامية تستهدف رد الناس إلي ألوهية الله وحده وربوبيته وقوامته وحاكميته وسلطانه وشريعته- وان يخلع كل من يشهد أن لا اله إلا الله وان محمدًا رسول الله ولاءه من التجمع الحركي الجاهلي - أي التجمع الذي جاء منه- ومن قيادة ذلك التجمع- في أية صورة كانت، سواء كانت في صورة قيادة دينية من الكهنة والسدنة والسحرة والعرافين ومن إليهم، او في صورة قيادة سياسة واجتماعية واقتصادية كالتي كانت لقريش - وان يحصر ولاءه في التجمع العضوي الحركي الإسلامي الجديد، وفي قيادته المسلمة) 0
(1) 36 / راجع فصل"لا إله إلا الله منهج حياة".