الصفحة 16 من 68

من الوطنيات والقوميات الجاهلية [1] التي بدأت تنخر في عظام الأمة لتسلمها إلي مزيد من ترسيخ العلمانية وإبعاد الأمة عن هويتها.

ثم لم يكتفوا بكل هذا بل يحاولون الآن جعل (الفرانكفونية) والشرعية الدولية والشرق أوسطية هي الرابطة - أو الروابط - التي يجتمع حولها الناس، ومسح أي هوية سابقة لهذه الأمة لتمريغ أنفها في التراب وإذلالها وجعلها تابعة- في هذه الهوية - لأحفاد القردة والخنازير

يقول سفر الحوالي:(ولئن كان علماء الإسلام في العصور الوسطي من المرجئة أو من المتأثرين بالإرجاء يحجمون عن تكفير ملاحدة وحدة الوجود وأمثالهم من الزنادقة الساخرين بالدين من الكتاب والشعراء ويتمحلون لهم التأويلات والتبريرات، فقد استغني علماء الإرجاء في عصرنا الحاضر عن هذه التأويلات، لأن الإسلام في عرفهم وراثة لازمة كما تورث الأسماء وأحرف تكتب في الهوية لا ينسخها عمل ولا قول يرتكبه حاملها، ولهذا تجرأ الملاحدة زعماءً وكتابًا علي دين الله سخرية واستهزاءً، وأصبح هذا ميدانًا لزعماء ومفكرين وملهاة للشعراء والصحفيين، وجرت ألفاظ الاستهزاء علي ألسنة العوام، فأصبحت في أحيان كثيرة كالسلام، وعم البلاء حتي تعدي مجال الاستهزاء إلي مجال الكفر الجاد الجلي الذي كان أمرًا محذورا، ولو عرفًا وعادة، فنسي الناس تكفير الباطنية والقرامطة والدروز والناصرية، وغاب عنهم تمامًا كفر طواغيت الخرافة والسحر0

أما طواغيت الحكم والتشريع، فقد نسخوا شريعة الله جهارا نهارا وحكموا شرائع الطاغوت في الدماء والأعراض والأموال، وألزموا الناس مناهجهم ووسائل تربيتهم بموالاة الكفار، والموبقات دروبا وألوانا، وسخروا من الحدود والحجاب وتعدد الزوجات وأحكام الميراث والعبادات، وانضم أغلب الطبقة المثقفة كما يسمونها إلي الأحزاب الكفرية، والمنظمات الإلحادية والمذاهب الأدبية التي تستر الكفر بالشعر، وسقط حد الردة إلا من كتب الفقه الموروثة، بل ظهر في صفوف المنتسبين إلي الدعوة الإسلامية اتجاه جديد ينكر حد الردة ضمن ما ينكر من حدود الإسلام وأصوله، ومر علي الأمة الإسلامية أجيال بل قرون لم نسمع فيها أن حد الردة أقيم علي زنديق مجاهر أو ملحد مكابر، في حين ان الآلاف من الأرواح تزهق لأسباب سياسية أو خلافات شخصية).

فما كانت نتيجة غياب الهوية الإسلامية عن الأمة؟

عند غياب الهوية الإسلامية - كهوية حقيقية راسخة ذات جذور - في بلد مسلم يحدث اغتراب (فراغ سياسي وفقدان انتماء) لضعف الاجتماع علي غيرها من الهويات المستعارة لهذه الأمة وعدم قدرة هذه الهويات علي ملء الفراغ الذي تركته الهوية الإسلامية وهذا يؤدي إلي:

1 -حكم الأراذل:

عند حدوث الاغتراب يفقد شرفاء الأمة وحكماؤها سيطرتهم علي الأمة؛ لأن المجتمع يصبح همجًا رعاعًا أتباع كل ناعق يميلون مع كل صائح نتيجة تعدد محاور الاستقطاب في الأمة فلا تجتمع الأمة حول أهل الشرف والمكانة والرأي الراجح، بل قد تجتمع حول بعض المضللين والدجالين وأراذل الناس أو يتبعثر الناس حولهم.

2 -التبعية للخارج:

(1) 35 / المرجع السابق ص 236 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت