والثاني: هو اغتصاب حق الأمة الخالص من قبل الحكام وهي معصية بواح وهي حق لله أيضا لا يقوم دين الله بالمعني الشرعي الصحيح إلا به 0وهذا أيضا يستوجب الخروج وذلك من خلال إعداد الأمة وتجييشها لرد الاعتداء علي حقوقها وأي كلام غير هذا هو خروج عن المنهج الشرعي الصحيح0
فالمنهج الإسلامي له جانبين أساسين وكلاهما يقع علي عاتق العلماء:
1 / البيان وهو في مواجهة البيان من قبل بطانة الحاكم الظالم، أو بطانة الحاكم الكافر.
2 / وإعداد القوة المادية المبنية علي الدفع والمواجهة والتي تواجه بها الأمة من يغتصبوا منها حقوقها، ومن هنا كان الاقتصار علي أحدهما وهو جانب البيان وإهمال الجانب الآخر وهو القوة مع امتلاك الطرف الآخر وهو النظام الحاكم القوة المادية القادرة علي حسم أي خروج عليه، طلبا لقيام الحق ورد الحقوق المغتصبة للأمة صاحبة الحق، هو الذي أدي إلي أن تعيش الأمة في منطق الضرورة قرونا عديدة أكسبتها القابلية للاستعباد والرغبة في عدم الخروج عليه، فقد ظلت الأمة في وضع الاستضعاف الذي يحكمه منطق الضرورة قرونا وذلك مع سعي بعض العلماء إلي حماية هذا الوضع عن طريق إعطائه الشرعية مستندا إلي بعض القواعد الشرعية كدرء اعلي المفسدتين باحتمال أدناهما وعلي أساسه قالوا بولاية المتغلب والتوريث.
وفي الحقيقة أن هذا الأمر محل نظر، لأنه كما قلنا أن الأمة أصل وان الحاكم فرع ولا يمكن أن يتقدم الفرع علي الأصل، فان الأمر في الحقيقة معكوس، فأعلي المفسدتين هو اغتصاب حق الأمة من قبل الحكام وكان من الاولى بدلا من اللجوء الى منطق الضرورة أن يعيدوا النظر في أسلوب المواجهة حيث عدم الاعداد الصحيح للمواجهة لرد الحقوق المغتصبة الى الامة هو الذى أدى الى فشل كثير من الثورات ومن هنا كان من الممكن أن تصل الامة الى الرشد في المواجهة ومن ثم تستطيع أن تعيد حقوقها وتوقف مسلسل الانحدار الذى تمضى فيه الامة والذى وصل بها الى نهايتها بسقوط الخلافة العثمانية.
فالصراع علي الحكم أودى بحياة كثير من أبناء الأمة، كما أن مبدأ التوريث الذي كان يأتي بالصالح والطالح، والكبير والصغير فاقد الأهلية، وما يقوم به الصالح يأتي من بعده الطالح فيفسده، مع وجود الصراع علي الملك وهو السبب الرئيسي في تفتيت الأمة إلي دويلات وإمارات والسبب في القضاء علي الدول الإسلامية التي حكمت العالم الإسلامي، مع انتشار العديد من البدع والمعاصي والشرك التي عمت المجتمع الإسلامي، وإلي قسمه إلي دولة سنية وشيعية، وانتشار الإرجاء والخوارج إلي غير ذلك من الفرق، والتي حاول العلماء مواجهتها ولكنهم عجزوا أمام الأوضاع المزرية في المجتمع الإسلامي نتيجة اعتمادهم علي البيان فقط دون اعتماد القوة.
ومن هنا كان البيان الشرعي الصحيح مغمورا مع طوفان البدع الذي عم المجتمع الإسلامي مما أضعف قوة الالتزام ومع فساد النظام السياسي الذي كان يقف أمام علماء الحق للتخلص منهم إما بالطرد أو السجن أو القتل، ودخول الأمة في تأصيلات شرعية أبقتها في دائرة الاستضعاف الذي لم تخرج منه قرونا عديدة مما أعطاها القابلية للاستعباد وعدم القدرة علي المواجهة، وكلا الأمرين انتقل معها مع سقوط الدولة الإسلامية التي تحكم بشرع الله إلي الدولة العلمانية0
ولا يعني هذا أن العلماء لم يقفوا في وجه الحاكم الظالم بالخروج عليه لرد الحقوق المغتصبة إلي الأمة بل وقف الكثير من العلماء في وجه الحكام بثورات ضدهم [1] وهذا هو الوضع الطبيعي للطائفة المنصورة (جماعة العلماء) وهذه
(1) 33 / ولكن نتيجة لعدم الإعداد الجيد والتنظيم المحكم فشلت هذه الثورات في رد حقوق الأمة