الصفحة 60 من 252

لقد جاءه بعض محبيه وقد خاف عليه أن يقتل يومها - يوم مؤامرة جنيف على الجهاد - وعرض عليه منصبا بأن يصبح مديرا لجامعة إسلامية حتى يحميه من تلك المؤامرة، ولكن الشهيد آثر أن يعيش كما عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم.

روى الترمذي بسند حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عرض علي ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت؛ لا يارب بل أجوع يوما وأشبع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك ودعوتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك) [1] .

ولو أراد الشهيد الدنيا لنالها وقد أقبلت عليه طائعة بزينتها، ولكنه كان يمقت الترف، وآثر حياة الجهاد على التقلب في أطراف النعيم، ولقد كان رحمه الله يعتبر الزهد من أعمدة الجهاد.

رابعا؛ حلمه وصبره:

وكيف لا يصبر وهو يعتبر الصبر أحد أعمدة الجهاد [2] ، والصبر من طبيعة الجهاد، ولا يمكن أن يكون هناك جهاد بدون صبر.

أذكر يوم أن أنكفأ القدر بما فيه من مرق ساخن [3] على يد ابنه الصغير مصعب وإذا بالبيت يرتبك، فقال لهم الشهيد بهدوء: (سبحان الله! إن بيوت الأفغان لا تخلو من عدة مصائب، فأحيانا تجد البيت فيه مأتم، وقد شوه وجه ابنه، أو قلعت عين ابنته، وهذا قطعت يده أو رجله، وهم مع ذلك صابرون محتسبون) ، وإذا بالبيت فجأة يلفه الصمت ويرضون جميعا بقضاء الله.

وقد حاول الطواغيت في الأرض محاصرته ولكنهم لم يستطيعوا أن يصلوا إلى هذه القمة السامقة التي تعيش فوق ذروة سنام الإسلام، فماذا فعلوا? وجهوا سهامهم وحركوا أذنابهم ليتناوشه الأعداء من كل جانب، وليطلق المنافقون ألسنتهم بالسوء في محاولة لتشويه سمعته، ولكنه صبر وثبت واحتسب ذلك عند علام الغيوب، وكان لسان حاله يقول كما قال الشاعر:

فإما حياة تسر الصديق ... وإما ممات يغيظ العدا

(1) انظر صحيح الترمذي بشرح ابن العربي: ج9/ص209 باب الزهد.

(2) في خضم المعركة: ج1/ص3.

(3) هكذا في الأصل، والصحيح انكفأ إبريق الشاي بما فيه من ماء ساخن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت