وكم كانت فرحة المجاهدين بهذا الفتح، بعد أن كان الشباب المجاهد الذين يرافقون إمام الجهاد يضغطون عليه حتى يرجعوا قبل العيد إلى مدينة بيشاور حتى يقضوا عيد الفطر هناك، ولكن الشهيد - رحمه الله - كان يردد لهم - وهو يرنو ببصره ويهفو بقلبه إلى نصر الله القريب - العيد الحقيقي هنا، أي في داخل جبهات القتال.
إمام الجهاد يؤسس عرين الأسود
كان أول معسكر أسسه إمام الجهاد الشهيد عبد الله عزام معسكر صدا ليكون قاعدة انطلاق وتدريب للمجاهدين العرب على أرض أفغانستان، كان ذلك في رمضان سنة 1986م، ولم يكن يومها معه سوى مجموعة من المجاهدين العرب يعدون على الأصابع، ولايزال بعضهم يجاهد على أرض أفغانستان إلى يومنا هذا.
كان الإمام الشهيد يدرك أن الأمة لا تساوي شيئا بدون جهاد، وأن الأمم لا تقيم لها وزنا ولا تحسب لهاحسابا إلا إذا توجهت بكليتها إلى ذروة سنام الإسلام وهو الجهاد في سبيل الله، لتتخذه طريقا إلى العزة وسلما إلى السؤدد والرفعة.
فرأى - رحمه الله - أن هذه الفرصة سانحة على أرض أفغانستان بوجود حركة إسلامية وشعب كامل خلفها مستعد للموت في سبيل الله، وإعزاز دينه وتطبيق شرعه، وأنه لن يلقي السلاح من يده بإذن الله حتى يأذن بقيام دولة الإسلام، رأى هذ الفرصة الذهبية فوجه أنظار المسلمين في الأرض إلى هذا الجهاد العظيم حتى يقفوا خلفه، وأمسك - رحمه الله- بمقود القطار وأدار عجلاته باتجاه سكة الحديد ليمشي عليها، لتسير هذه الأمة بالإتجاه الصحيح بعد أن تاهت عنه - أو كادت أن تتيه -، فلفت انتباه المسلمين في الأرض إلى أهمية الجهاد، إن هي أرادت حقا أن تعود لها القيادة والريادة مرة أخرى في العالمين.
وكان يدرك أن الاسلام لا يمكن أن يقوم مرة أخرى إلا كما قام أول مرة، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، من خلال جماعة إسلامية يربي أفرادها على العقيدة من خلال مواجهة الطواغيت في الأرض - وهذا أمر لايمكن تجاوزه-،هذه النواة الأولى لابد أن تتلقى قسطا من التربية على الإسلام ثم تصطدم بالجاهلية، لأن الحق لا يمكن أن يتعايش مع الباطل أبدا، فتحمل السلاح وتجاهد في سبيل الله لإقامة دينه وتطبيق شرعه، وبعد أن يط لع الله على صدق نياتهم يمك ن لهم في الأرض.
ومن هذا المنطلق أسس الشهيد عزام هذا المعسكر وغيره في ساحة الجهاد، ليقف المجاهدون العرب مع إخوانهم في العقيدة (المجاهدون الأفغان) حتى يأذن الله تعالى بقيام دولة الإسلام، وكان الإمام يدرك - أكثر من غيره- من خلال رؤيته البعيدة أن التربية لا يمكن أن تتم من خلال الكتب النظرية، وأن هذا الدين لايؤخذ من خلال فقه الأوراق، بل من خلال الحركة به في الواقع، من خلال مواقف الرجال وميادين النزال في ساحات الجهاد.
لأجل ذلك أسس إمام الجهاد معسكر صدا وغيره، رغبة منه أن يصبح لها شأن عظيم في المستقبل - وهذا مانراه باديا للعيان الآن - بأن تصبح محطات لتوجه الشباب المسلم إليها من كل أنحاء العالم الإسلامي،