الصفحة 8 من 14

إنها تمثل قصة هذا الكون الذي يشتمل على قضايا غامضة لا يستطيع العقل أن يجد لها حلًا مقنعًا، أو تبريرًا ملائمًا. إنها قصة الأسباب المعقولة والتصرفات المناقضة لها ولكن بعد بيان الخضر لتصرفاته يظهر أنه لم يكن مسيئًا في موضع إحسان، ولا محسنًا في موضع إساءة. إن هذه القصة تتحدى التفكير المادي الذي يرى أن الحقيقة ما تتراءى للعيون وأن الظواهر هي التي يصح عليها الحكم. إن قصة موسى والخضر عليهما السلام تنقض هذا الأساس. أما القصة الرابعة: قصة ذي القرنين:

فلم يقف الشيخ طويلًا للبحث عن شخصية ذي القرنين، ونقل رأي أبي الغلام آزاد الذي رجح أن يكون ذو القرنين هو (سائرس) عند اليونانيين وتسمية اليهود (خورس) ويذكره المؤرخون العرب بـ (كيخسرو) . ويذكر الشيخ موافقته لسيد قطب الذي لم يرجح أحدًا بعينه لأن المقصود من قصة ذي القرنين العبرة المستفادة منها. والعبرة تتحقق بدون حاجة إلى تحديد الزمان والمكان في أغلب الأحيان. لذا يعقب الشيخ فيقول: سواء اهتدينا إلى شخصية معينة أو لم نهتد فإنه كان رجلًا عالي الهمة كان في كل فتوحاته صالحًا ومصلحًا منتصرًا للحق، ناصرًا للضعفاء. ولم يقف الشيخ طويلًا - كما فعل مع القصص الثلاث السابقة- مع قصة ذي القرنين واكتفى بتعليقات سريعة لبيان آثار الملوك الصالحين ودورهم في سعادة شعوبهم كما فعل سليمان بن داود عليهما السلام في عصره. وكما فعل ذو القرنين في عصره. وكما فعل الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون في عصورهم. ثم يعلق الشيخ على طبيعة الحضارة الغربية التي جمعت بين القوة الهائلة وبين الكفر والمادية، وأصبحت حربًا على الغيب والروح والأخلاق والنظم السماوية ... وكل ذلك تمهيد لبلوغ هذه الحضارة أوجها بظهور الدجال، وسمته الكفر والإفساد، وشتان بين من يملك القوة ويسخرها للعدل وإحقاق الحق ونشر الإيمان وبين من يملك القوة فيستخدمها للكفر والصد عن سبيل الله ونشر الفساد في الأرض.

ثم يلخص الشيخ ماجاء في قصص السورة جميعها التي تبرز قصور العلم البشري إلى جانب كلمات الله وتختتم السورة بالإشادة بالنبوة والحديث عن الآخرة وتفخيم شأنها، فجعل نهاية السورة مقرونة ببدايتها منسجمة مع روح السورة كلها.

الكتاب الثالث: تأملات في القرآن الكريم

فهو كما قال الشيخ في مقدمة الكتاب مجموعة مقالات إذاعية وكلمات وخطب مختلفة المناسبات، كانت مبعثرة فطلب منه بعض المهتمين بنشر كتب الشيخ ومنهم الأستاذ محمد علي دولة صاحب دار القلم الدمشقية، فأعاد الشيخ جمعها والنظر فيها ثم دفعها للطبع. وأول مقالة فيها عن سورة الفاتحة، جمالها وجامعيتها وتأثيرها في الحياة:

فبين أولًا مكانة الفاتحة وأنها السورة الفريدة في المعجزات .. لو أن أذكياء العالم وزعماء الروحانية وعلماء النفس والإصلاح اجتمعوا ليضعوا صيغة يتفق عليها أفراد البشر ليتعبدوا بها ربهم تعبر عن ضمائرهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت