تقص عليهم لتقوي عزائمهم وتلوح لهم بالفرج بعد الشدة. وما أشبه حال المؤمنين بحال أصحاب الكهف في الحال والمآل فقد لبث أهل الكهف فترة من الزمن ليظهروا على الدين وقد تغيرت معالم مدينتهم وأصبح دينهم له السيادة ومجال الشرف والتكريم وإذا بالوثنية التي اضطهدتهم قد ولت أيامها ودالت دولتها وأصبحت مجال الإهانة والتحقير. وكذلك المسلمون آل حالهم إلى العز بعد الذل والانتصار بعد الانخذال واستقبلتهم مكة بعد فترة مهللة مكبرة وإذ بمفتاح الكعبة بيد رسول اللهصلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء وإذا بعتاة قريش يأتون إليه مستسلمين ويرجون منه العفو والصفح ...
هكذا تبين قصة أصحاب الكهف انتصار الإيمان على الوثنية وانتصار الاعتماد على خالق الأسباب على الاعتماد على الأسباب وانتصار الروح على المادة.
وقد أبدع الشيخ في لفتاته وتعليقاته على أحداث قصة أصحاب الكهف وربطها بحال المسلمين في مكة وربطها من ناحية أخرى بأحوال العالم المعاصر الذي جعل الأسباب المادية إلهًا يعبد من دون الله وسخروا في تمجيد المظاهر الداجلة إعلامهم ومدار تفكيرهم .. إن اللفتات التي وجهها الشيخ إلى حقيقة الحضارة المعاصرة والإشارات التي ميّز بها الدين الإسلامي لفتات في غاية الروعة، وهي الميزة التي يمتاز بها الشيخ رحمه الله في الربط بين الهدايات القرآنية وبين الواقع المعاصر ويرسم سبيل النجاة من خلال المنهج القرآني.
أما القصة الثانية فهي قصة صاحب الجنتين:
ويمهد الشيخ للقصة بأن هذه القصة يتكرر نموذجها كل حين فهي أنموذج الإنسان المادي الذي واتته الفرص فكان صاحب المال والثروة والجاه العريض إلا أن الطبيعة المادية في الثري وأصحاب رؤوس الأموال وأصحاب السلطة والزعامة تفرض نفسها فتنسب السعادة إلى علمه وذكائه كما فعل قارون من قبل عندما قال (إنما أوتيته على علم عندي) فلفت صاحبه الذي يحاوره نظره إلى حقيقة الأمر (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله) ذكّره بمفتاح الأمر وسرّه وقوته، وهو مفتاح هذه السورة كلها (ما شاء الله) و (إن شاء الله) و (لا قوة إلا بالله) . إنها الروح التي تسري في المجتمعات المؤمنة وهي القوة الدافعة التي تتخذ إلى جانب الأسباب قوة الاعتماد على الله المسدد المحقق للغايات. ويستطرد الشيخ إلى بيان نظرة القرآن الكريم إلى الحياة الدنيا، ويذكر جملة من الآيات التي تبين قصر الحياة الدنيا وتفاهتها وتضاؤلها في جنب الآخرة. ثم يذكر الآيات التي تبين أن الدنيا قنطرة للآخرة وفرصة للعمل، فالقرآن يشنّع على من آثر الدنيا الفانية الناقصة على الآخرة الباقية الخالدة، ويستعرض جملة من الآيات في ذلك. ثم بين مدح القرآن لمن يجمع بين الدنيا الآخرة مع إيثار جانب الآخرة. ويطيل الشيخ الشرح حول أثر العقيدة بالآخرة في التقدم والقوة وأن لا صلة بين هذه العقيدة والرهبانية. وأن لا قوام للمسلمين ولا سيادة لهم إلا بإعادة هذه العقيدة إلى واقعهم و النظر إلى الحياة الدنيا نظرة القرآن إليها. وسورة الكهف أبرزت هذا الجانب ووضحته تمام التوضيح.
والقصة الثالثة قصة موسى والخضر عليهما السلام: