الصفحة 12 من 14

أجمل موقعه بعد قوله (ألم يجدك يتيمًا فآوى) فمن ذاق مرارة اليتم بنفسه، فأخلق به إذا كان ذا شعور ومروءة أن يستشعرها في غيره، فاليتيم أعرف خلق الله بحال اليتيم، وأعرف بما يذوقه ويتحمله، فإنه قد اجتاز المرحلة أيضًا ... كما أن موسى عليه السلام رعى لشعيب غنمه عشر حجج ليعلم حقيقة ما يكابده بنو إسرائيل من خدمة فرعون ومعاناة الأعمال الشاقة ويشعر بألمهم وبؤسهم وشقائهم، ويعلم أنه إذا كانت هذه خدمة نبيّ خير عباد الله، فكيف بخدمة جبار شر عبد الله وأقساهم، فتسمو نفسه إلى تخليصهم وتحريرهم لأنه نشأ في أكبر نعمة ورفاهة وراحة في قصر فرعون وحجره، لا يعرف ما يكون عليه العبيد والأرقاء والمستضعفون، وما يعانون من آلام الحياة ... ..

وفي سورة (العاديات) يشير الشيخ إلى وجه لم يسبق إليه في الحكمة من القسم بالخيل وربطها بمحور السورة (الإنسان الكنود) فيقول: ... . إن الله سبحانه وتعالى يصف الخيل في هذه السورة بأوصاف، ويذكر لها أعمالًا، كلها ترجع إلى نقطة وهي (الوفاء والفداء والإيثار لسيدها) فهي التي تفديه بنفسها وتشقى لنعيمه، وتموت لحياته، ولا تعرف لنفسها ولا لحياتها حقًا، ترمي بنفسها في الخطر، وفي النار والبحر، وتصبر على الجوع والعطش، وتتحمل المشاق، تعدو ضبحًا، وتوري قدحًا، وتغير صبحًا، فتثير به نقعًا، وتوسط به جمعًا. تفعل كل هذا مع ربها، وهو ليس لها رب. والذي هو من غير جنسها، والذي يستخدمها أكثر مما يخدمها، وهو الحيوان غير الناطق، غير العاقل، فكيف الإنسان العاقل الشريف مع ربه الحقيقي وولي نعمه، إن الإنسان لربه لكنود!! فللإنسان عبرة في دواجنه وفي عبيده المسخرة.

فهذه السورة قد اشتملت على بيان المرض وهو قوله تعالى (إن الإنسان لربه لكنود) وعلى علته وهو قوله تعالى (وإنه لحب الخير لشديد) وعلى علاجه وهو قوله تعالى (أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور ... .) . فإن الإيمان بالآخرة وتذاكر الموت يكشف الغطاء عن العين، ويفيق من سكرة الدنيا، قال النبيصلى الله عليه وسلم (أكثروا من ذكر هادم اللذات) . بهذه الدقائق وتلك النفحات يسير الشيخ أبو الحسن الندوي في فهم وتفسير كتاب الله، وليته فسر القرآن الكريم كاملًا، إذن لكان شيئًا عظيمًا، ولكن تواضع الشيخ رحمه الله، وقناعته بأن المفسرين السابقين قد قاموا بمهمة البيان والتوضيح لآيات الكتاب المبين. فانصرف إلى قضايا المسلمين العامة والخاصة لينشر دين الله، وينافح عنه في بلاد المسلمين وخارجها، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير ما يجازي داعية على جهده وسعيه. ونعود بعد هذه الجولات في كتب الشيخ الثلاثة لنجمل القول في منهجه في فهم كتاب الله وتفسيره:

نقاط عامة في منهج الشيخ:

1 -بدايات كتابة الشيخ في التفسير كان فيها الحماس والعاطفة الجياشة، والالتزام بنصوص القرآن والسنة النبوية، كأنه كان يريد ترسيخ مبدأ تفسير القرآن الكريم بنصوص الوحي من القرآن والسنة، وربما كان على حذر من أنه إذا انفرد ببعض اللطائف أن يقع في شيء لم يذهب إليه أحد من المفسرين فيقع في محظور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت