طيب إذا مكنكم في الأرض فينظر ما الذي ستصنعونه؟ هل يكون بينكم فارق وبين فرعون، في التقوى والعمل الصالح والطاعة، ولا إذا استوليتم على الأرض كنتم كفرعون، فلما أطاعوا موسى - عليه السلام - بعد فترات من الامتحان العظيم مكن الله - عز وجل - لهم في الأرض، فقال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} [الأعراف: 137] .
فعاشوا نشوة الانتصار العظيم ورأوا هذا الذي أذلهم جيفة وقد رماه الموج على قارعة الطريق كما قال تبارك وتعالى لفرعون {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} [يونس: 92] ، واشتفى قلبهم؛ لأن المظلوم إذا رأى مصرع ظالمه اشتفى قلبه، فلما رأوا هذا الذي أذلهم الزمان الطويل وقد رمي كجيفة اشتفى قلبهم بهذا المنظر، ولذلك امتن الله - عز وجل - عليهم برؤية فرعون وهو ميت، قال - عز وجل - لهم: {ولقد َأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} [البقرة: 50] .
ثم بعد ذلك نكلوا ونكصوا، لما أمرهم موسى عليه السلام أن يستعدوا لغزو قرى الجبارين فأبوا وقالوا: {إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24] ، فقال موسي عليه السلام في آخر تقرير له عن قومه قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي