إقامة العدل والسهر على الأمن الداخلي وتهيئة الحماية ضد الاعتداء الخارجي، مما يدخل ضمن الأعباء التقليدية فقط، وإنما تتعدى مسؤوليتها كل هذه الأعباء لتشمل أعباء أخرى؛ كالقيام بعدد من الوظائف الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة، وكذلك النفقات الاجتماعية والتعليمية والصحية والضمان الاجتماعي. فيقع على عاتق الدولة تأمين حد الكفاية لجميع الناس الواقعين في دائرة إقليمها، كما يقع على عاتقها مسؤولية الإشراف المباشر على قطاع الخدمات، وضمان حق الفقراء والمحتاجين في الانتفاع بها مجانًا، كالعلاج والتعليم وما شابه ذلك، مما يستلزم نفقات كبيرة لتحقيق هذه المهام. ولا يكتفي الاقتصاد الإسلامي بضمان الدولة للمسلمين، بل يتجاوز ذلك إلى غير المسلمين؛ فالذميِّ الذي يعيش في كنف الدولة الإسلامية إذا كبر وعجز عن الكسب، كفلته الدولة الإسلامية وأصبحت نفقته من بيت المال. ولهذا كله كان لملكية الدولة ما يبررها في الاقتصاد الإسلامي كغيرها من أشكال الملكية، ولها دورها الفعال كذلك في مجال إعادة التوزيع، طالما توفرت شرعية ولي الأمر، الذي تُمنح له في الاقتصاد الإسلامي كامل الصلاحيات في هذا المجال؛ وفق اجتهاده واستشارة العلماء من حوله، ولولا هذا الاعتراف بملكية الدولة لما كان ولاة الأمور رعاة مسؤولين عن رعاياهم ديانة وقضاء، سواء في مجال إعادة التوزيع وتوفير حد الكفاية لجميع الناس دون استثناء، أو في مجال حفظ التوازن بين الأفراد وتجنيبهم الصراعات الاجتماعية التي تتميز بها المجتمعات الرأسمالية والاشتراكية؛ بين الأغنياء والفقراء.
ويعتبر الخراج من أهم الوسائل التي توظفها الدولة في مسألة إعادة التوزيع، والمقصود به التكليف المالي العام على أراضي غير المسلمين المفتوحة عنوة والباقية تحت أيدي حائزيها مقابل خراج مضروب عليها يدفعونه إلى بيت المال، أو الأراضي التي جلا عنها أهلها من غير قتال فأقطعها ولي الأمر إقطاع انتفاع لا إقطاع تمليك لبعض الأفراد مقابل خراجها، أو أراضي الصلح على بقاء الأرض بأيدي أهلها مقابل ما يؤدونه من خراج. والخراج فرض بالاجتهاد لتحقيق مصلحة عامة للمسلمين في ظل واقع معين، وقد تغير هذا الواقع الآن، وأصبحت الحاجة ماسة للاجتهاد بما يحقق المصلحة العامة للمسلمين في ضوء الواقع الجديد، ولذلك يرى بعض الباحثين في الاقتصاد الإسلامي، الاستمرار في عدم تطبيق الخراج الآن، والاستعاضة عنه بضريبة عامة على الأراضي إذا ما لزمت لتحقيق المصلحة العامة للمسلمين. ( [64] )
ولا شك أن الإنفاق العام للدولة في الاقتصاد الإسلامي له أثره في إعادة توزيع الثروة والدخل بين أفراد المجتمع، من خلال تقديم بعض الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة ونحو ذلك، أو مساعدة الفقراء والمحتاجين بإعانات مالية في شكل مدفوعات نقدية أو عينية، أو إنشاء مشاريع عامة توظّف أعدادا كبيرة من أفراد المجتمع الباحثين عن العمل، أو من خلال كفالة الحّد الأدنى اللائق من مستوى المعيشة لكافة أفراد المجتمع. ولا تزال خلافة عمر بن عبد العزيز حجة تاريخية، على كل أولئك الذين يشككون في إمكانية إقامة نظام اقتصادي إسلامي وبرهانًا ساطعًا على أن الاحتكام لشريعة الإسلام هو وحده الذي يكفل للناس السعادة في الدنيا والآخرة، فقد ساس رعيته سياسة رحيمة، وأمَّن لهم عيشًا رغيدًا وكفاهم مذلة الفقر والمسكنة، حتى بلغ الأمر في خلافته أن يكون تجهيز العاجزين لأداء فريضة الحج، وضيافة المسافرين في خانات وفنادق عبر أقاليم الخلافة وتعاهد دوابهم، بل وإعانة المنقطعين منهم بما يكفيهم من مال ليصلوا به إلى بلدانهم، كل ذلك من بيت المال، وقد عزّ في عهده t من يقبل الزكاة، فلا فقر ولا فقراء. ( [65] )
ودور الملكية بأنواعها الثلاثة في إعادة التوزيع، ليس له ترتيب معين، ولا تحميل للمسؤولية بدرجة واحدة، وإنما المرجع في ذلك أحكام الشريعة ومقاصدها، ولا ينفي ذلك مسؤولية كل نوع من أنواع الملكية عمن في دائرته ونطاق قدرته. فمسؤولية مساعدة فقير مثلًا، وإخراجه من ضيق الفقر إلى سعة الغنى؛ تقع أولًا على عاتق الملكية الخاصة، ممثلة في أقارب هذا الفقير، كما قال تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ( [66] ) ، فإن عجز أقارب الفقير أو افتُقِدوا؛ انتقلت مسؤوليته إلى الملكية العامة المحرزة في بيت مال الزكاة، قال U: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ( [67] ) ، فإن لم تكف الزكاة في القيام بهذا الفقير؛ تحمّلت ملكية الدولة مسؤوليته عند ذلك من أموالها الخاصة الموجودة ببيت المال، فإن لم يكن في بيت المال أموال للدولة، عادت المسؤولية من جديد على عاتق الملكية الخاصة؛ فتفرض الدولة من الضرائب على الأغنياء ما يكفي للقيام بهذا الفقير وإشباع حاجته والقضاء على فقره، لأنه من فروض الكفاية التي لا تبرأ ذمة الأمة إلا بالقيام بها وإلا أثم الجميع؛ قال تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} ( [68] ) ، وفي الحديث:"لَيسَ المُؤمِنُ الذي يَشبَعُ وجارُهُ جائعٌ إِلى جَنْبِهِ" ( [69] ) ، كما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على سبيل الإلزام الشرعي، بين المهاجرين والأنصار، ووضع مسؤولية فقر المهاجرين على عاتق الأنصار. والنتيجة أن المجتمع الإسلامي عبر تاريخه الطويل، ورغم الحرية المشروعة لجميع أبنائه؛ في العمل والتجارة وغيرها، إلا أنه لم يتعرض للأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تتخبط فيها المجتمعات الرأسمالية والاشتراكية، كما أن أفراده لم يصادفوا المشاكل