الصفحة 10 من 22

التوزيعية والتناقضات الاجتماعية التي تعاني منها تلك المجتمعات، وذلك بفضل تنوع أشكال الملكية وتنوع آلياتها الإلزامية والتطوعية في مجال الإنفاق وإعادة التوزيع.

وتعتبر الزكاة من أهم البدائل الشرعية التي يُعوِّل عليها الاقتصاد الإسلامي في نقل الفقراء من حالة الفقر إلى حالة الغنى، ومن حد الكفاف الذي لا يملك فيه الفرد القدرة الشرائية، ويكون الحد الاستهلاكي عنده صفرًا، والحاجة عنده إلى ضروريات الحياة كبيرة جدًّ، إلى حد الكفاية حيث تتوفر لديه القدرة الشرائية ويساهم في الدورة الاقتصادية بالتأثير في الطلب الفعّال الذي يعتمد على القوة الشرائية لأفراد المجتمع. والزكاة من وسائل إعادة التوزيع المشتركة بين أنواع الملكيات الثلاث؛ الخاصة والعامة والدولة، لأن الزكاة في الأصل مقدار معلوم من المال يخرج من الأموال المستثمرة سواء كانت هذه الأموال مملوكة ملكا خاصا أو عاما أو ملكا لبيت المال، وليس الهدف من الزكاةِ إشباعُ الحاجات الأساسية للفقراء مؤقتًا، وإنما هدفها الأساسي القضاء على فقرهم إلى الأبد، وذلك بجعلهم ملاكًا للوسائل التي يعيشون بها ويسترزقون منها بدل أن يكونوا أجراء، فيملك التاجر محلَّه، ويملك الفلاّح حقله، وبذلك يزداد عدد الملاكين، ويزداد معه اشتراك الناس في خيرات الطبيعة وما أودعه الله فيها، ولا تكون حكرا على طائفة منهم فقط، وبذلك يتحقق التوازن الاقتصادي والاجتماعي المرغوب، وتتوفر الحاجات الكمالية للجميع فضلًا عن الضرورية والحاجية. ورغم ذلك فإن الاقتصاد الإسلامي لا ينكر التفاوت في المعيشة بين أفراد المجتمع، بل يقرّه ويبني عليه نظمه ومبادئه في التوزيع، لأن هذا التفاوت راجع إلى الاختلافات الفطرية بين الناس في القدرات والكفاءات والمواهب، إلا أن هذا الإقرار ليس معناه إعطاء الفرصة للغني ليزداد غنىً على حساب ازدياد فقر الفقير، وتوسيع للهوة بينهما، حتى يصبح الأغنياء طبقة عليا والفقراء طبقة دنيا، إذ أنه لا طبقية في الإسلام. متطلبات الملكية في الاقتصاد الإسلامي لتحقيق دورها التوزيعيبعد أن توصل البحث إلى إثبات العلاقة بين الملكية والتوزيع، وأهمية وخطورة الدور التوزيعي للملكية في المجتمع؛ انطلاقًا من نتائج التطبيقات الرأسمالية والاشتراكية لنظام الملكية ذات الشكل الوحيد؛ الفردي أو الجماعي. واستنادًا إلى النظرية الإسلامية في التوزيع القائمة على نظام الملكية ذات الأشكال المتعددة؛ الخاصة والعامة وملكية الدولة، وما تحققه من توزيع عادل للثروات والدخول، ورفع للمستوى المعيشي للأفراد، وقضاء على التباين الاجتماعي وتركيز الثروات في أوساطهم.

يتساءل الفكر عن سبب انعدام عدالة التوزيع في المجتمع المسلم؛ فالعقل يُحتّم أنه هو الأرضية التي ينعكس عليها نمط الملكية المتعددة، ويجني ثمارها التوزيعية جميع أبنائه؟ لا ريب أن المشكلة الاقتصادية للمجتمع المسلم، ومنها جانب التوزيع؛ سببها عدم تطبيق نظام الاقتصاد الإسلامي، خصوصا مبدأه في الملكية، وعدم وصول الوعي والاقتناع بمنهج الاقتصاد الإسلامي إلى القائمين على سياسة المجتمع. وحتى يكون للاقتصاد الإسلامي دور مسؤول وفاعل في علاج المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للأمة؛ لابد أن يُفسح المجال لتطبيق أنظمته بما فيها نظام الملكية ذات الأشكال المتعددة (خاصة، عامة، دولة) .وهذه محاولة لبيان ما يتطلبه نظام الملكية في الاقتصاد الإسلامي من واقع مُوَافقٍ وأفراد مُوَاتين؛ تتوفر فيهم القابلية لاحتضان هذا النظام وتطبيقه بإخلاصالمتطلبات الواقعية وطرق إيجادهاقد يتبادر إلى الذهن أن تطبيق الاقتصاد الإسلامي في واقع الناس معناه إلغاء المؤسسات الاقتصادية القائمة وكل البنوك والشركات غير المبنية على أسس الإسلام ومبادئه في الاقتصاد والمال؛ إلا أن الأمر ليس بهذه الصورة السطحية، التي قد تجعل الكثير ممن يكيدون للإسلام يتحجَّجون باستحالة هذه التغييرات الجذرية، أو على الأقل ترهيب قيادات الأمة ومسيّريها من تكاليفها الباهضة على جوانب الاقتصاد والسياسة والاجتماع. لم يكن الإسلام أبدا بهذه الصورة القاتمة وهو يرتقي بالإنسانية، في عصر النبوة، من ظلمات الجاهلية الأولى إلى نور الحضارة ورحابتها، وإنما كان مطهّرًا للواقع، هاديًا للنفوس، وفي نفس الوقت ترك ما وجده من خير، بل أضاف إليه وتمَّمَ نقائصه. ولذلك فتطبيق الاقتصاد الإسلامي، من هذا الجانب، يعني إحياء مؤسساته التي اندرست، وتفعيل وتنشيط الممارسات الاقتصادية والاجتماعية التي يتميز بها المجتمع الإسلامي، وتمثل جزءًا من خصوصياته، مما يجعل التطبيق سهلًا ومقبولًا ومؤيَّدًا. إحياء المؤسسات العامة للاقتصاد الإسلاميفالاقتصاد الإسلامي يمتلك ما يكفي من المؤسسات المالية والنقدية والاجتماعية والرقابية، التي يزخر بها الفقه الإسلامي في جميع أبوابه التعبّدية والمعاملاتية؛ ومن أهم المؤسسات التي يجب مراعاتها في ذلك: مؤسستا الزكاة والأوقاف. أولًا: مؤسسة الزكاةإن من خصائص الزكاة؛ أنها لا تخرج إلا بعد بلوغ النصاب، ومعنى ذلك أنها تحافظ على الحاجات الأساسية للأفراد، بل إنها تحافظ على كرائم أموالهم، إلا إذا جادوا بها طائعة بها نفوسهم، وبالتالي فإن الفائض عن الحاجات الأساسية هو محل الزكاة، لأن هذا الفائض ذا نفع قليل بالنسبة للغني الذي ضمن حاجاته الضرورية، إذا ما قورن بالفقير الذي هو في أمس الحاجة لهذا الفائض؛ لأن ضروريات حياته ذاتها منعدمة أو تكاد.

ومن خصائص الزكاة أيضا أنها تقع على جميع أنواع الأموال المعروفة؛ نقدية أو عينية، منافع أوحقوق، وهذا الاتساع في وعاء الزكاة يضمن لها القدرة الكاملة والكافية لإعادة توزيع الدخول والثروات، كما أن نصاب الزكاة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت