أعطى الاقتصاد الإسلامي للملكية الخاصة من الأدوات الفعالة ما يجعلها تقوم بدورها كما ينبغي في إعادة توزيع الثروة والدخل على أفراد المجتمع، بالقضاء على الفقر والمشاركة في توفير حد الكفاية المطلوب للجميع ( [52] ) ، كما منحها آليات تجنّبها التكديس والتراكم الاحتكاري للثروات، الذي من شأنه أن يؤدي إلى الغنى الفاحش للأقلية في مقابل الفقر المدقع للأغلبية كما تمت ملاحظته في المجتمعات الرأسمالية والاشتراكية. ( [53] ) فلولا إقرار الاقتصاد الإسلامي للملكية الخاصة للأموال، ثروات ودخول؛ لما كانت هناك مسؤولية فردية عن متطلبات الضمان الاجتماعي وتأمين حد الكفاية للأفراد عن طريق فرض الزكاة، كما في قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} ( [54] ) ، أو نفقة الأقارب كما ورد في السنة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان يحبس لأهله قوت سنة" ( [55] ) ، وغير ذلك من الواجبات الواقعة على الملكية الخاصة، التي قد تصل إلى حدّ أن الفقهاء أجازوا للمحتاجين إلى السكن أن يسكنوا دار أخيهم الخالية، ويُجبر المالك على إيجار ملكه في حال أزمة المساكن. ( [56] ) كما أنه"لا يخفى أن توزيع أنواع المال التي تجب فيها الزكاة، على مستحقيها، يؤدي إلى إعادة شيء غير قليل من التوازن في توزيع الثروة في المجتمع، وما قد يترتب عليه من تهيئة موارد مالية تدفق نحو الاستثمار، بما يحدث نوعا من زيادة الإنتاج في المجتمع، وما يترتب على ذلك من آثار اقتصادية متعددة". ( [57] ) ولولا إقرار الاقتصاد الإسلامي للملكية الخاصة كذلك؛ لما كان باستطاعة الأفراد التطوّع بأموالهم والتبرع بها، صدقة أو وقفا أو وصية أو نذرا أو غير ذلك من الوسائل الاختيارية في إعادة التوزيع كما مرّ ذكره في الفصل السابق. إنَّ "للجماعة أو للدولة حقوق في أموال وملكيات الأفراد يترتب على أدائها تفتيت الثروات الضخمة؛ لأن الإسلام يكره تكديس الأموال واكتنازها وتضخيم الملكيات؛ قال U: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ( [58] ) ، وقال أيضًا: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} ( [59] ) ، وقال I: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ( [60] ) ، فيجب مساهمة ذوي الحاجات في أموال الأغنياء تحقيقًا للعدالة الاجتماعية في توزيع الثروات، كما يجب على الأغنياء المساهمة في دعم موارد الخزينة العامة للمحافظة على كيان الأمة". ( [61] ) كما أن الإقرار بالملكية الخاصة جعل الدولة تحترم صاحبها، ولا تصادر أمواله ولو كانت بحاجة إليها، بل تلجأ للاقتراض منه وتسديد ما عليها تجاهه متى توفرت عندها الأموال في بيت المال، وهذا مالا أثر له في النظام الاشتراكي الذي لا حرمة للملكية الخاصة عنده، فالتأميم والمصادرات المجحفة للأملاك الخاصة هو السمة السائدة في المجتمع الاشتراكي وعلى أساسها أقام مبدأه في تبني الملكية العامة وإقصاء الخاصة من الوجود. ثانيًا: دور الملكية العامة في إعادة التوزيعونفس الأمر بالنسبة للملكية العامة، فهي التي تحقق هدف الاقتصاد الإسلامي الكبير في تحقيق التكافل الاجتماعي وإعادة التوزيع، وذلك عن طريق التوازن الاجتماعي الذي تقوم به الدولة وكالة عن المجتمع. واعتراف الاقتصاد الإسلامي بالملكية العامة يعتبر معلوما من الدين بالضرورة، سواء من النصوص الشرعية أو من التطبيقات العملية للنبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه عبر التاريخ الإسلامي الطويل، وكان من نتيجة ذلك قيام الملكية العامة بدورها في إعادة التوزيع حسب ما أتيح لها من وسائل في الاقتصاد الإسلامي، والتي تمّ ذكر بعضها في الفصل السابق؛ كخراج أراضي الملكية العامة وفيئها، ودخول المشروعات العامة، ومجانية استعمال واستغلال المرافق العامة، التي تعتبر دخولًا بالنسبة للفقراء والمحتاجين تُقدّم لهم في أشكال غير نقدية، إذ لو كانت تحت التملك الخاص لكانت الاستفادة منها ذات تكلفة مادية لا يستطيعها هؤلاء. ومن الأدلة على هذا الدور المناط بالملكية العامة في إعادة التوزيع ما جاء عن عمر بن الخطاب t من أقوال في أموال الغنيمة والفيء؛ منها قوله:"ما من أحد من المسلمين إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه"وكذلك قوله:"من أراد أن يسأل عن ذلك المال فليأتني، فإن الله تبارك وتعالى جعلني له عارفًا وقاسمًا". ( [62] )
فولي الأمر يقوم نيابة عن المجتمع بإعطاء الفقراء والمحتاجين من الأملاك العامة؛ المنقولة والعقارية، لا ليسدّ رمقهم ويقضي حاجتهم الآنية فقط، وإنما ليملّكهم من الثروة ما يلبي حاجاتهم المختلفة باستمرار، خصوصًا عند حدوث تفاوت كبير في توزيع الثروات في المجتمع، وتكدس الأموال في أيدي فئة قليلة، ولهذا السبب وزّع النبي صلى الله عليه وسلم فيء بني النضير وقسم أرضهم على فقراء المهاجرين، الذين كانوا يعتمدون في سكناهم على أراضٍ وبيوتٍ للأنصار، بالإضافة إلى فقيرين من الأنصار؛ هما سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة لحاجتهما. ( [63] )
كما تعتبر الملكية العامة، الطريق غير المباشر بالنسبة للملكية الخاصة وملكية الدولة، لسلوكه نحو إعادة التوزيع من جانبهما؛ فالملكية العامة هي التي تسمح بتكوّن الملكية الخاصة ونشأتها، خصوصا في مرحلة التوزيع الأولي للطبيعة، ومن ثمّ قيامها بمسؤوليتها في إعادة التوزيع، كما أن متطلبات الضمان الاجتماعي تحتّم على الدولة عند الحاجة أن تأخذ من موارد الملكية العامة المحرزة في بيت المال، ما يكفيها للقيام بواجباتها كدولة في مجال إعادة التوزيع، من إعالة للعجزة وإغناء للفقراء وتوفير لفرص العمل وتسديد لأجور الموظفين، وبالأخص إذا لم تكن مواردها كافية لذلك. ثالثًا: دور ملكية الدولة في إعادة التوزيعلا يقتصر دور الدولة في الاقتصاد الإسلامي على