-نفقة الزوجة والأولاد
-احتياجات طلاب العلم من كتب وغيرها
-كل ما هو ضروري لحفظ النفس.
إن تخصيص الموارد المالية للملكية بأنواعها الثلاثة؛ الخاصة والعامة والدولة، وفق منهج الأولويات في الاقتصاد الإسلامي على نحو مقاصد الشريعة الإسلامية؛ يضمن إشباع الضروريات والحاجيات كهدف أول في القضاء على الفقر داخل المجتمع، ويمنع ثانيًا الإسراف والتبذير لهذه الموارد؛ مما يحتم صرفها في الوجوه الاستثمارية والاجتماعية، والتصدي للفقر والبطالة، وما ينجم عن ذلك من صراعات اجتماعية. ثانيًا: مفهوم حد الكفاية في الاقتصاد الإسلامييعرف البنك الدولي الفقر بأنه مادون دولار يوميا بالنسبة للفرد، وهذا المقياس لا ينطبق إلا على البلدان النامية، لأنه يخالف الشواهد الواقعية التي تؤكد أن هناك مجتمعات يصل دخل الفرد فيها إلى خمس دولارات يوميا لكنها تبقى تحت مظلة الفقر، عاجزة عن تلبية ضروريات الحياة من مأكل وملبس ومسكن وعلاج وتعليم، كما أنه يتناقض مع مقاييس الحكومات الغربية والمنظمات الحكومية الدولية في تعريف الفقر وقياسه في البلدان المتقدمة. ( [44] )
إن حد الكفاف الذي يعتمده الاقتصاد الرأسمالي والاشتراكي كمقياس لخروج الإنسان من الفقر، وعدم احتياجه للانتفاع بموارد الضمان الاجتماعي، يتمثل في القدر الذي يُبْقِي على حياته ويشبع الحاجات الضرورية له ولأسرته فقط، بحيث يُبْقيهِ قادرا على العمل وفي نفس الوقت عاجزًا عن زيادة الإنجاب. ( [45] ) وهذا مخالف تماما لحد الكفاية الذي يتميز به الاقتصاد الإسلامي في تحديد عدم اتصاف الإنسان بالفقر؛ ذلك أن حد الكفاية لا يعني القدرة على تلبية الحاجات الضرورية فقط، وإنما الاستجابة لكل ما تتطلبه الحياة الإنسانية من عيش كريم ورفاهة معتدلة، عن طريق تحقيق المطالب الضرورية والحاجية للإنسان، حتى يبلغ المستوى اللائق من الغنى المتعارف عليه في مجتمعه ( [46] ) ، وقد كان عمال الدولة في العهد النبوي يأخذون أرزاقهم بقدر كفايتهم، ووفقًا لهذا المعنى؛ فعن المستورد بن شداد t قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"من كان لنا عاملًا فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنًا". ( [47] )
وكذلك العمال المكلفون بجمع الزكاة؛ "فيُدفع إلى كل واحد .. إذا اتسعت الزكاة ما يخرج به من اسم الفقر والمسكنة إلى أدنى مراتب الغنى، وذلك معتبر بحسب حالهم، فمنهم من يصير بالدينار الواحد غنيا إذا كان من أهل الأسواق يربح فيه قدر كفايته، فلا يجوز أن يزاد عليه، ومنهم من لا يستغني إلا بمائة دينار فيجوز أن يدفع إليه أكثر منه". ( [48] )
لذلك كان اعتبار الثُّمُن في تحديد أجرة العاملين على الزكاة غير معتبرٍ؛ بل يُعطَوْنَ قدر عملهم من الأجرة بما يكفيهم ويكفي أعوانهم، لأنهم عطّلوا أنفسهم لمصلحة الفقراء، كالمرأة إذا عطّلت نفسها لحق الزوج كانت نفقتها ونفقة أتباعها من خادم أو خادمين على زوجها، ولذلك لا تقدّر أجرتهم بالثُّمُنِ، بل العبرة بالكفاية سواء كانت ثُمُنًا أو أكثر. ( [49] ) وللفقهاء آراء مختلفة في تحديد القدر الذي يُعطى للإنسان للبلوغ به درجة الغنى في الاقتصاد الإسلامي؛ فمنهم من يرى إعطاءه ما يكفيه وأسرته العمر كله، ومنهم من اقتصر على إعطائه كفاية سنة، لما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كان يحبس لأهله قوت سنة" ( [50] ) ، ومنهم من اقتصر على توفير قوت كل يوم لوحده؛ اعتمادا على زكاة الفطر. ويَعْتَبِرُ الفقهاءُ قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" تنطبق على ضرورة توفير حدّ الكفاية؛ إذ"لو طبق الحرامُ الأرضَ، أو ناحية من الأرض يعسر الانتقال منها وانسدت طرق المكاسب الطيبة، ومست الحاجة إلى الزيادة على سد الرمق فإن ذلك سائغ أن يزيد على قدر الضرورة، ويرتقي إلى قدر الحاجة في القوت والملبس والمسكن، إذ لو اقتصر على سد الرمق لتعطلت المكاسب والأشغال، ولا يزال الناس في مقاسات (لعلّها: مقاساة) ذلك إلى أن يهلكوا، وفي ذلك خراب الدين. لكنه لا ينتهي إلى التَّرَفُّهِ والتَّنَعُّمِ، كما لا يقتصر على مقدار الضرورة. وهو ملائم لتصرفات الشرع وإن لم يَنُص على عينه، فإنه قد أجاز أكل الميتة للمضطر، والدم ولحم الخنزير، وغير ذلك من الخبائث المحرمات". ( [51] )
دور الملكية الإسلامية في التوزيع التوازني وتحقيق حد الكفايةلا يتم التوزيع في الاقتصاد الإسلامي تلقائيا حسب أولويات السوق كما هو الشأن في النظام الرأسمالي، ولا حسب العمل فقط، كما هو الحال في النظام الاشتراكي؛ وإنما وفقًا للحاجة أولًا، ثم العمل ثانيًا. ومن خلال النظر في وسائل الاقتصاد الإسلامي لإعادة التوزيع، سواء التي تتصف بالإلزام أو التي تتميز بالاختيار، يتضح أنها مقسمة بانسجام بين أشكال الملكية الثلاثة، الخاصة والعامة والدولة، مما يجعل مسألة إعادة التوزيع وتوفير حد الكفاية لجميع فئات المجتمع، لا يقع على عاتق الملكية الخاصة للأفراد فقط، ولا العامة، ولا الدولة، وإنما جميع أنواع الملكية، كل واحدة في نطاقها؛ تتحمل جزءًا من أعباء الضمان الاجتماعي وتوفير حد الكفاية لأفراد المجتمع. أولًا: دور الملكية الخاصة في إعادة التوزيعلقد