الصفحة 6 من 22

تلك الصحاف من لحم تلك الجَزُورِ، فبعث به إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر بما بقي من لحم تلك الجزور، فَصُنِعَ فدعا عليه المهاجرين والأنصار ( [39] ) ، وهذا يدل على أن وسم إبل الجزية كان يفعل في أيام الصحابة، لأن عمر t كان يَسِم المواشي بوسمين أحدهما لنعم الجزية والآخر لنعم الزكاة ( [40] ) ، ومثلما تستثمر أموال الزكاة كملكية عامة، كما تمّ ذكره سابقًا؛ تستثمر أيضًا أموال الجزية كصنف من أصناف ملكية الدولة. وللإشارة فإنه لا يجوز للدولة مزاحمة الأفراد في المشروعات الاقتصادية التقليدية كما هو الحال في النظام الاشتراكي الذي يتبنى الملكية العامة لعوامل الإنتاج، مما يؤدي إلى التضييق عليهم في ممارسة تجارة السلع الاستهلاكية أو القيام بالأعمال الحرفية البسيطة، مما هو داخل في أعمال الملكية الخاصة؛ وإنما اختصاص ملكية الدولة بممارسة النشاط الاقتصادي في المشروعات العامة والضروريات والحاجيات التي لا يقوى عليها الأفراد أو ليست من اختصاصهم؛ كالمشروعات الإستراتيجية، وما تعلق منها بالأمن والدفاع، ومشروعات الموانئ والحدود، ومشروعات الطرق والنظافة والصرف الصحي، ومشروعات الكهرباء والغاز والمياه، وما شابه ذلك. ( [41] )

ومن هنا كان تدخل الدولة في المجال الاقتصادي له ضوابط وحدود، أهمها أن يكون تدخلها من أجل المصلحة العامة للمجتمع ودون المساس بحقوق الأفراد الاقتصادية وحرياتهم المشروعة، فلا مجال للتدخل لمجرد رغبة في نفس ولي الأمر من أجل مصادرة أو منافسة لأي فرد أو مؤسسة في المجتمع. إن اعتراف الاقتصاد الإسلامي بالأشكال الثلاثة للملكية؛ يعطي الفرد المسلم مجالا واسعا لاكتساب الموارد المختلفة وبالتالي إشباعا كافيا لحاجاته الفردية والجماعية، وتوازنا أفقيا وعموديا بينه وبين أفراد مجتمعه من جهة، وبين جيله والأجيال اللاحقة من جهة أخرى، في الحصول على الثروات والدخول وعدم التفاوت الكبير فيها، ورغم كل ذلك فإن مجرد وجود تفاوت ولو قليل يبقى واردًا، وهو ما تكفّل نظام الملكية في الاقتصاد الإسلامي بعلاجه والتصدّي لمساوئه. دور الملكية الإسلامية في إعادة التوزيع وتحقيق العدالة الاجتماعيةيسعى الاقتصاد الإسلامي إلى تحقيق التوزيع الأمثل للدخول والثروات بين جميع أفراد المجتمع، وبالتالي تحقيق العدالة الاجتماعية وتقريب الفوارق المعيشية بين فئاتهم، وذلك بتوجيه الموارد بشتى أنواعها، لإشباع الحاجات الأساسية، وتوفير حدّ الكفاية منها- لا حدّ الكفاف- لكل فرد في المجتمع مهما كان انتسابه وصفته. حد الكفاية في الاقتصاد الإسلاميلا تتم معرفة حد الكفاية إلا بالتعرض لمفهوم الحاجات الإنسانية، وتقسيماتها، وكيفية إخضاعها لفقه الأولويات عند التعارض، حتى تتركز النظرة على المفهوم الصحيح لحد الكفاية في الاقتصاد الإسلامي، وسموّ هذا المفهوم عن مفهوم حدّ الكفاف الذي يعتمده الاقتصاد الوضعي بشقيه الرأسمالي والاشتراكي في تحديد مستويات الفقر ومعالجة مساوئ التوزيع. أولًا: مفهوم الحاجات في الاقتصاد الإسلاميتقوم الملكية في الاقتصاد الإسلامي بدورها في إعادة التوزيع بناء على النظرة الإسلامية للحاجات الفردية والجماعية لجميع شرائح المجتمع، هذه الحاجات التي تتسم بالشمول والتنوع والتدرج وفق المقاصد العامة للشريعة الإسلامية في تحقيقها لمصالح العباد المادية والروحية، والتي تعطي التصور الواضح والعميق لأولويات الاقتصاد الإسلامي في مواجهته لمساوئ التوزيع التي قد تحدث في مرحلتي توزيع الثروة أو التوزيع الوظيفي، خصوصا مسألة علاج الفقر والفروق الاجتماعية بين أفراد المجتمع. ولذلك كان من اللازم الإلمام بهذه الحاجات، والتعرف على مراتبها وأولوياتها بناء على تقسيمات علماء الإسلام لمقاصد الشريعة الإسلامية؛ إلى مقاصد ضرورية وحاجية وتحسينية، فكانت الحاجات البشرية في تصور الاقتصاد الإسلامي؛ ضروريات وحاجيات وتحسينيات: ( [42] ) 1

-الضروريات: وهي الحاجات التي تتوقف عليها حياة الناس ومصالح المجتمع واستقراره، وإذا فقدت حلّ الفساد وعمّت الفوضى واختل نظام الحياة وأصاب الناسَ الشقاءُ في الدنيا، والحسرة وفقدان النعيم في الآخرة، وهي خمس ضروريات: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال.2 - الحاجيات: وهي الأمور التي يحتاجها الناس ليعيشوا في يسر وسعة، وإذا فقدت لايختل نظام الحياة ولا تعم الفوضى، كما في الضروريات، وإنما ينال الناس الحرج والمشقة والضيق، وحفظ الحاجيات يعتبر وقاية للضروريات، وحماية لها مما قد يصيبها من خلل، وهي موزعة في كامل أبواب الشريعة من عبادات ومعاملات وعقوبات.3 - التحسينيات: وهي كل ما يتعلق بمكارم الأخلاق وتقتضيه المروءة، وإذا فقدت لا يختل نظام الحياة، ولا يصيب الناسَ الحرجُ والمشقةُ، لكن تصبح حياتهم منافية للأذواق السليمة، ومخالفة للعقول الراجحة، وهي كذلك مفرقة في العبادات والعادات والمعاملات والعقوبات. وتعتبر الضروريات والحاجيات هي الحاجات الأساسية، نظرا للزوم توفّر الأولى ولوقوع الحرج عند انعدام الثانية، وأهم الحاجات الأساسية التي تُقدَّرُ النفقة بناء عليها، ما يأتي: ( [43] )

-الطعام والشراب والعلاج

-الكساء- السكن ومتطلباته

-الخادم للعاجز والمريض

-الزواج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت