ولذلك يكون استخراج المعادن والتنقيب عن الوقود واستغلال الغابات وإقطاعها، كمثال عن النشاطات الاقتصادية في مجال الملكية العامة، الذي هو من اختصاص وليّ الأمر، سواء بقيام الدولة نفسها بذلك، أو بتكليف الخواص، أفرادا أو شركات بالقيام بذلك، وفق الشروط المتفق عليها والخاضعة لأحكام المشاركات والإقطاعات في الاقتصاد الإسلامي. ولا شك أن اعتبار موارد الأملاك العامة من ضمن مصادر تمويل النفقات العامة لبيت المال في الاقتصاد الإسلامي، يُستنتَجُ منه أن للملكية العامة دورها في الإنتاج والاستثمار، وبالتالي في توزيع الدخول والعوائد والإيرادات الناتجة من العمليات الإنتاجية، ولذلك جعل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب t، أراضي العراق والشام ملكية عامة، لاستغلالها والحصول على عوائدها المتمثلة في الخراج، من أجل تمويل بيت المال وتغطية احتياجات الإنفاق العام. ( [33] )
وبالإضافة إلى ذلك؛ فإن للملكية العامة دورها الذي لا يُنكَر في المساهمة في الإنتاج ومن ثم في توزيع الناتج، خاصة مشروعات البنية الأساسية، كالطرق والجسور وما إلى ذلك،"وقد أمر عمر ابن عبد العزيز ببناء المرافق العامة، والتي تسمى اليوم بمشاريع البنية التحتية، ولا تقوم التنمية إلا بهذه المرافق الضرورية من أنهار وترع ومواصلات وطرق". ( [34] )
كما أن الملكية العامة لازمة لحركة مشروعات الملكية الخاصة وملكية الدولة في نفس الوقت، من خلال مرافقها العامة، أو ما تعلقت به مصالح الناس وحاجاتهم العامة كالأراضي المتروكة حول المدن أو المناطق الصناعية، وبالتالي مساهمتها في العمليات الإنتاجية وما تدرّه من دخول، ولو بطريق غير مباشر. ( [35] )
ثالثًا: وظيفة ملكية الدولة في توزيع الدخللم يغفل الاقتصاد الإسلامي مسؤولية الدولة وحاجاتها؛ ذات الأولوية الإستراتيجية؛ الدفاعية والأمنية والرقابية، والتي تعبّر عن سيادة الأمة ووحدتها، ورعاية الأفراد وحمايتهم، ويدخل في ذلك تسديد أجور موظفيها الإداريين، وموظفي الدفاع والأمن والقضاء والحسبة، والإشراف على تطوير البحوث العلمية، وتوفير الخدمات الاجتماعية والصحية والتثقيفية وغيرها، ولها الدور الأكبر في تحقيق التوازن بين الملكية الفردية والملكية العامة، والاستمرار في الحفاظ عليه. وبما أن للدولة الحق في استثمار مواردها من الطبيعة، التي نالتها بمقتضى التوزيع الأولي للموارد الطبيعية السالف الذكر؛ فإن الاقتصاد الإسلامي يعترف بملكية الدولة، بشخصيتها الاعتبارية، للدخول والعوائد الناشئة من العمليات الاستثمارية والإنتاجية المختلفة، والتي تقوم بها نيابة عن الأمة ولمصلحتها، إما مباشرة بواسطة موظفيها، أو عن طريق الخواص أو الدول الأجنبية، حسبما تأذن به الشريعة الإسلامية، مشاركةً أو مضاربةً أو إجارةً أو غيرها من عقود الاستثمار وتنمية الأموال. ( [36] )
ولذلك فإن دور ملكية الدولة في توزيع الدخل يتمثل في اعتراف الاقتصاد الإسلامي بامتلاك الدولة لعوائد عوامل الإنتاج المختلفة، سواء كانت أجرا أو ربحًا أو ريعًا، حسب مكانتها في العملية الإنتاجية؛ إذ قد يكون العامل هو الدولة بواسطة موظفيها، وقد يكون رب المال أيضًا هو الدولة بما تبذله من رؤوس أموال عينية ونقدية؛ مثلما هو الحال في التنقيب والاستخراج والتحويل للوقود والمعادن والمياه وغيرها، كما قد يكون صاحب الأرض هو الدولة في حالة استغلال أراضيها في العمليات الإنتاجية المختلفة. وإضافة إلى ذلك؛ فإن الخراج والفيء والغنيمة والجزية من موارد ملكية الدولة الإسلامية، بناء على العمل الذي تقوم به، والمتمثل في فريضة الجهاد في سبيل الله، التي من لوازمها حدوث انتصارات ومصالحات وغيرها، وعند النصر تكون الأراضي الخراجية، والغنائم في الأموال، وتفرض الجزية على رؤوس أهل الذمة، مقابل إبقائهم ببلدهم تحت حكم الإسلام وصونه ( [37] ) ، إلى غير ذلك من إيرادات الجهاد. ومن الأدلة على إمكانية قيام الدولة بالعمل الإنتاجي والحصول على عوائده؛ ما رواه عبد الله بن عمر t، أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، فكان يعطي أزواجه مائة وسق، ثمانون وسق تمر وعشرون وسق شعير، فقسم عمر خيبر، فخير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع لهن من الماء والأرض، أو يمضي لهن، فمنهن من اختار الأرض ومنهن من اختار الوسق، وكانت عائشة رضي الله عنها اختارت الأرض ( [38] ) ، فدور ملكية الدولة يظهر في هذا الحديث من خلال قيام الدولة ذاتها بالعملية الإنتاجية، إما عن طريق استغلال ملكيتها لأرض خيبر وتملكها للناتج الحاصل منها، أو من خلال استغلال الحصص المملوكة ملكية خاصة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم مقابل المشاركة معهن في ريع الأرض. ومن الأدلة كذلك حديث زيد بن أسلم t، عن أبيه أنه قال لعمر بن الخطاب t: إنَّ في الظَّهرِ ناقةً عمياءَ، فقال عمرُ: ادفعها إلى أهلِ بَيتٍ ينتفعون بها قال: فقلت: وهي عمياءُ؟ فقال عمر: يَقْطُرونَهَا بالإبل، قال: فقلت: كيف تأكل من الأرض؟ قال: فقال عمر: أَمِنْ نَعَمِ الجِزية هي أم من نَعَمِ الصَّدَقة؟ فقلت: بل من نعم الجزية، فقال عمر: أَرَدْتم، واللهِ، أَكْلها، فقلت: إنَّ عليها وَسْمَ الجزية، فأمر بها عمر فنُحِرت وكان عنده صِحافٌ تِسْعٌ فلا تكون فاكهةٌ ولا طُرَيْفةٌ إلا جعل منها في تلك الصِّحاف، فبعث بها إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون الذي يبعث به إلى حفصة ابنته، من آخر ذلك، فإن كان فيه نقصان، كان في حظِّ حفصة قال: فجعل في