يَذهبُ بنجْعِهِ النافعِ في دفع الإنتاج". ( [134] ) وعلى هذا الأساس كانت ترقية الدراسات الإسلامية في مجال الاقتصاد الإسلامي وتطبيقاته المواكبة للعصر؛ من أهم ما يجب أن تتوجه إليه همم القائمين على التخطيط لإرجاع الأمة إلى حظيرة الإسلام، وإخراجها من نفق التخلف والتبعية، لأن"المطلوب من علم الاقتصاد في السابق كان أقل بكثير من المطلوب منه اليوم، فالإنسان كان يتقبل في السابق معظم ما يجري على أنه طبيعي أو مقدر ومحتوم، بينما الإنسان اليوم لا يستسلم ولا يتقبل شيئا كما هو؛ وإنما يبحث ويفكر في الأسباب والنتائج والوسائل والغايات وغير ذلك". ( [135] ) ولذلك فإنَّ من العوائق الواقعية؛ عدم وجود الكفاءات العلمية المتمكنة، وبالقدر الكافي، مما يعيق قيام أي فكرة، ويمنع تجسدها في الواقع المعاش، ومرد ذلك افتقاد المتعلمين للخلفية السليمة في تكوينهم وتعليمهم، وهذا يجعلهم غير متمكنين من نقل المعاني بصورة واضحة وسهلة والقدرة على إقناع الآخرين، بالإضافة إلى سوء العلاقات وانعدام الثقة بين العلماء الربانيين والقائمين على السلطة في المجتمع، فالطبيعة البشرية في الحقيقة ميالة إلى التمسك بالمعتقدات السابقة ورفض ما يعارضها من أفكار ونظريات، فلا تقبل إلا ما يتفق مع معتقداتها الأصيلة. ( [136] ) ثانيًا: الإعلامينبغي أن تُستغل وسائل الإعلام استغلالًا يخدم مبادئ الإسلام وحضارته، بما في ذلك الاقتصاد الإسلامي وأهدافه، سواء كانت هذه الوسائل مرئية أو مسموعة أو مقروءة، بحيث تعرض جوانب العظمة في هذه الحضارة وأسباب تفوقها، وتَقَدُّمَ المسلمين في جميع المجالات، والتعريف بعلماء الإسلام في شتى الميادين، ونشر تراثهم وأعمالهم، وأن تكون تلك الوسائل أداة بِنَاءٍ لا مِعْوَلَ هَدْمٍ كما هو الواقع في كثير من بلاد الإسلام. ( [137] ) ويعتبر المسجد أهم مؤسسة إعلامية قادرة على الإسهام في بعث حضارة الإسلام، وتكوين رأي عام يحتضن شرائعه وقيمه، ويدافع عنها، بما في ذلك مبادئه في الاقتصاد، وذلك لما لهذه المؤسسة من مكانة في قلوب المسلمين، قادتهم وعامتهم، ونظرًا لارتباطها بدينهم ومكونات شخصيتهم، كما أن التاريخ أثبت أن المسجد قد أدى دورا هائلا في حياة الجماهير الإسلامية، روحيًا وحضاريًا. ( [138] ) ولا ينطلق الاقتصاد الإسلامي في المجال الإعلامي من فراغ، بل من رصيد تاريخي حافل بالصور الحية التي تبين مدى ما بلغته المجتمعات الإسلامية من رفاهية اقتصادية وعدالة اجتماعية لا يزال صداها يدوي إلى يومنا هذا، فمن هذه الصور في القضاء على الفقر:"قال رجل من ولد زيد ابن الخطاب: إنما ولي عمر بن عبد العزيز سنتين ونصفًا، وذلك ثلاثون شهرًا فما مات حتى جعل الرجلُ يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله، يتذكر من يضعه فيهم فما يجده، فيرجع بماله قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس". ( [139] ) ومن صور الرعاية الصحية وكفالة المرضى، فقراءهم وأغنياءهم على حدٍّ سواء؛ أحاديث نبوية وآثار للسلف الصالح كثيرة؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: أصيب سعد يوم الخندق فضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد، ليعوده من قريب". ( [140] ) ومرّ عمر بن الخطاب t بقوم مجذومين من النصارى عند مقدمه من دمشق فأمر أن يعطوا من الصدقات وأن يجري عليهم الوقف، كما وقف عثمان بن عفان محلة سلوان في ربض القدس على ضعفاء البلد، واشتهر الوليد بن عبد الملك بالاهتمام بالمرضى والزمنى والتوسيع عليهم؛ حيث أعطى لكل مُقعد خادما ولكل أعمى قائدا. ( [141] ) وهذه صورة عجيبة لأحد المستشفيات التي بُنيت بمراكش المغرب، بناه بها أحد الخلفاء الموحدين، وقد وصفه أحد علمائها بقوله:"ما أظن أن في الدنيا مثله، وذلك أنه تخير ساحة فسيحة بأعدل موضع في البلد، وأمر البنائين بإتقانه على أحسن الوجوه، فأتقنوا فيه من النقوش البديعة والزخاريف المحكمة ما زاد على الاقتراح، وأمر أن يغرس فيه مع ذلك من جميع الأشجار المشمومات والمأكولات، وأجرى فيه مياهًا كثيرة تدور على جميع البيوت، زيادة على أربع برك في وسطه؛ إحداها رخام أبيض، ثم أمر له من الفرش النفيسة من أنواع الصوف والكتان والحرير والأديم وغيره بما يزيد على الوصف، ويأتي فوق النعت، وأجرى له ثلاثين دينارًا في كل يوم؛ برسم الطعام وما ينفق عليه خاصة، خارجًا عما جلب إليه من الأدوية، وأقام فيه من الصيادلة لعمل الأشربة والأدهان والأكحال، وأعدّ فيه للمرضى ثياب ليل ونهار للنوم، من جهاز الصيف والشتاء، فإذا نقه المريض؛ فإن كان فقيرًا أمر له عند خروجه بمال يعيش به ريثما يستقل، وإن كان غنيًا دفع إليه ماله وترك وسببه، ولم يقصره على الفقراء دون الأغنياء؛ بل كل من مرض بمراكش من غريب حمل إليه، وعولج إلى أن يستريح أو يموت، وكان في كل جمعة بعد صلاته يركب ويدخله يعود المرضى". ( [142] ) وخلاصة القول الاقتصاد الإسلامي لا يقر بأن يتغير شكل الملكية حسب حاجات الإنتاج، أو حسب ميول دعاة التغيير والتبديل، بل له رؤية أخرى أعم وأشمل وأدق؛ إنها قضية إنسان له حاجات أصيلة وميول فطرية تستوجب إشباعها دون المساس بإنسانيته وكرامته، ولذلك كان تنويعه لأشكال الملكية؛ خاصة وعامة وملكية دولة، له دلالته الواضحة في القصد لإشباع تلك الحاجات. فالملكية الخاصة: تلبي الحاجات الخاصة للأفراد، باعتبار كل واحد منهم له شخصيته الخاصة، وكيانه الذي يميزه عن بقية الأفراد. والملكية العامة: تستجيب للحاجات العامة للأفراد، بوصفهم أعضاء في المجتمع، ولا يستطيعون العيش منفردين، فالإنسان اجتماعي بطبعه. أما ملكية الدولة أو ملكية بيت المال: فإنها تقوم بإحداث التوازن الاجتماعي، وسد الخلل بين شرائح المجتمع، بإشباع الحاجات الخاصة أو العامة للأفراد الذين لم يتمكنوا من إشباعها عن طريق نوعي الملكية السابقين، كي لا يحدث تفاوت كبير بين الأفراد في الدخول والثروات، ينجر عنه سوء في التوزيع وانعدام للعدالة الاجتماعية. وبذلك تلعب الملكية ذات الأشكال الثلاثة، دورها في التوزيع من خلال حصول كل شكل منها على نصيبه في الاقتصاد الإسلامي، مما يرفع من مستوى معيشة الأفراد