الصفحة 16 من 22

كل الأعمال، والاقتصادية منها على الخصوص؛ لقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ( [123] ) ، فهي التي توقظ الضمير الإنساني وتدفع به إلى الحلال وتبعده عن الحرام، محققة بذلك مراقبة الله U في السرّ والعلن، مستغنية عن المراقَبَات الإدارية والمحاسَبَات القضائية، إذ لا تجدي مراقبة البشر إذا انتفت مخافة الله U، وهذا ما أدى ببعض العلماء إلى اعتبار التقوى عاملًا من عوامل الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي. ( [124] ) ثانيًا: الأخوةتمثل الأخوة دعامة أخلاقية أساسية في بنية المجتمع الإسلامي الذي تتجسد فيه نظم الإسلام وشرائعه، بما فيها نظام الملكية، ذلك أن الأخوة تعني التعاون والتعاطف والرحمة والإيثار، وما إلى ذلك من قيم المحبة التي يحملها الأخ لأخيه. وتعتبر الأخوة في الدين أوثق رابطة تؤلف بين قلوب المسلمين وتعمل على تماسكهم وتجعلهم على قلب رجل واحد، مثلما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ( [125] ) ، وبذلك يتحقق انتماء الأفراد للمجتمع، ومشاركتهم في انشغالاته الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، فيكون ذلك سببًا في تحمّلهم واحتضانهم لأهدافه الخيرية وغاياته الحضارية، بحيث تكون الأخوة التي يحملها كل فرد بين جنبيه، دافعًا أساسيًا للمبادرة والعطاء، سواء لإغناء النفس بعمارة الأرض، أو لإعانة الغير ببذل المعروف لهم، وكل ذلك من مواصفات الإيمان، كما قال تعالى: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} . ( [126] ) وبقدر هذا الشعور بالأخوة، يكون ذوبان الأثرة والأنانية والمصالح الخاصة في كيان المجتمع الإسلامي ومصالحه العامة ( [127] ) ، مما يجعل خلق الأخوة ذا دور كبير في توجيه الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع وتحقيق أهداف الاقتصاد الإسلامي فيه. ولقد كانت المؤاخاة بين المسلمين من مهاجرين وأنصار؛ مثلا يحتذى به في ترقية الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع، فهي الأساس المتين الذي أرسى به النبي صلى الله عليه وسلم قواعد الدولة الإسلامية الأولى بعد بناء المسجد النبوي في المدينة المنورة، حيث كان المهاجرون فقراء لا يملكون شيئًا بعد تركهم لأموالهم وأهليهم بمكة، فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم وبين الأنصار، مؤاخاة فريدة من نوعها، قائمة على المشاركة المعنوية في المؤازرة والولاء، والمشاركة المادية في الدُّور والأموال، وقد بلغت هذه المؤاخاة إلى حدّ التوارث بين المسلمين، بدل التوارث بين الأقارب الذي لم ينزل التشريع به بعد. ( [128] ) وأكثر من ذلك؛ فقد بلغت درجة الأخوة بين الأنصار والمهاجرين مبلغًا عظيمًا قلّما يتصف به بنو البشر، إنه الإيثار الذي نال به الأنصار شرف مدحهم والثناء عليهم من ربهم، ووعْدِهم بالفلاح في قوله U: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . ( [129] ) الوسائل التربوية لبلوغ أهداف الاقتصاد الإسلامي أولًا: التعليمالاهتمام بالناحية التعليمية في ظل الإسلام، ظهر مُبكِّرًا، منذ عهد النبوة، من خلال تعليم الصغار الكتابة، وجعله من ضمن طرق فداء الأسرى، فعن ابن عباس t قال: كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة. ( [130] ) كما كانت المدن في البلاد الإسلامية تشعّ نورا بما تضمنته من مدارس ومعاهد ومراكز علمية لا يزال التاريخ يذكرها، فمن ذلك أن صقلية في العهد الإسلامي، بلغ عدد المساجد بأحد مدنها ثلاثمائة مسجد، في كل مسجد معلم للقرآن، ومعلمو القرآن لا يكلفون بالخروج إلى الجهاد عند مصادمة العدو، كما كانت العلوم الإسلامية رائجة والأدب العربي متمكنًا، حتى أصبحت صقلية من أصقاع العلوم الإسلامية الشهيرة، ومقصدًا لأهل العلم، يرحل إليها الأندلسيون لأخذ العلم عن رجالها، وكانت رحلة العلماء إليها من أطراف بلاد الإسلام شائعة. ( [131] ) والتعليم له دور خطير في تنمية المجتمع وبعث حضارته؛ فيجب الاهتمام بإصلاح مناهج التعليم في كل مراحله، وفقًا لخصوصيات المجتمع الدينية والحضارية والتاريخية، بحيث تكون برامجه ومفرداته مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله r؛ باعتبارهما دستور المسلمين ومنهج حياتهم في شتى المجالات، والتي منها المجال الاقتصادي والاجتماعي، كما يجب الاهتمام بالمعلم والأستاذ الذي يبذل العلم لتلاميذه وطلابه، من خلال تكوينه وإعداده باستمرار وفعالية، وكفالته ماديا ومعنويا بما يليق بمنصبه الحيوي وتفرغه له، حتى يقوم بمهمته على أكمل وجه. ( [132] ) كما يجب"إحداث تحول جذري في التعليم ليتخلص من استخدامه كوسيلة لأقلمة الإنسان مع حاجات النظام القائم، وليصبح التعليم وسيلة تعين الإنسان على ابتكار المستقبل، ومن أجل ذلك لابد أن يتعلم الطفل أن العالم ليس حقيقة تم الانتهاء من صياغتها، ولكن العالم عمل ينتظر الابتكار.

إن المهمة الأولى للمثقفين كشف الأكاذيب التي تسود المراجع المدرسية، ووسائل الإعلام، وهما اللذان يخدمان الغرب للإبقاء على هيمنته بأيديولوجيات مغالطة عن حداثته، وليس ثمة افتراض واحد عن تلك الحداثة المزعومة لا يعد افتراء وكذبا". ( [133] ) ولا شك أنّ من أسباب عدم تطبيق الاقتصاد الإسلامي؛ إقصاؤه من المراجع التعليمية المعتمدة في المدارس والمعاهد والجامعات، وحلّ محله تدريس المناهج والنظريات الغربية في الاقتصاد والاجتماع، والتي كانت السبب في جعل أبناء الإسلام يستوردون المناهج الاشتراكية أو الرأسمالية، لحلّ معضلات مجتمعهم ومشكلات اقتصادهم، "وفي البلاد الإسلامية على وجه الخصوص ليست المسألة بأن نعطي المال سلطانا لم ينزل به الله؛ بتركيزه في أيدٍ قليلة يتبعه انخفاض في مستوى المعيشة ونقص في القوة الشرائية وإفقار للجماهير الكادحة، وليست المسألة بأن ننتزع منه كل سلطان كذلك بإذابته في ضُرُبِ المساواة الطوباوية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت