بناء على أن المالك الحقيقي لهذا الكون، وهو الله U؛ سخّر كل ما فيه من موجودات لهذا للإنسان؛ مما يدفعه إلى عدم إهمال الجانب المادي للحياة، ويقبل على العمل لجمع المال والسعي لعمارة الأرض؛ قال تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} ( [109] ) ، وعمارة الأرض في عقيدة المسلم لا تتعارض مع الغاية التي خلقه الله U لأجلها وهي العبادة بقوله I: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} ( [110] ) ، لأن العبادة تشمل كل عمل صالح رافقه إخلاص لله تعالى، ويتجلّى ذلك بوضوح في قوله U: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ( [111] ) ؛ فالانتشار في الأرض ابتغاء فضل الله يشمل كلّ صور عمارتها. ( [112] ) ومبدأ التسخير في التصوّر الإسلامي يجعل الفقر الذي يتعرض له المسلم الصادق بريئًا من أسباب الكسل أو عدم كفاية الموارد كما في النظامين الوضعيين، فالفقر المقبول في الإسلام؛ ما كان سببه تركًا لجمع المال، إما عجزا بَدنيًا أو فكريًا أو يُتمًا، كما قال U: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} ( [113] ) ، أو استضعافًا لا حيلة للخروج منه؛ كما في قوله تعالى: {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} ( [114] ) ، وقوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} ( [115] ) ، وقوله U: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا، وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا، وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ... } ( [116] ) ، أو انصرافا عن جمع المال لما هو أولى؛ كتعلم القرآن والدعوة إليه، أو طلب العلم النافع والتخصص فيه وتعليمه، أوجهادا و دعوة إلى الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعن زيدِ بن خالدٍ t أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ:"مَن جَهَّزَ غازيًا في سبيلِ اللهِ؛ فقد غَزا، ومَن خَلَفَ غازيًا في سبيلِ اللهِ بخيرٍ؛ فقد غَزا". ( [117] ) ولذلك لا يقبل الاقتصاد الإسلامي إطلاق تسمية الفقير على من ترده اللقمة واللقمتان، أو الغني الذي عنده ما يكفيه، أو سليم الجسم المتفرغ لكسب قوته بنفسه دون شواغل تمنعه، فقد جاءت الأحاديث النبوية تَتْرَى في النهي عن تقمص نعوت الفقراء من هؤلاء؛ فمن ذلك حديث الزبير بن العوام t عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لأَنْ يأخذَ أحدُكم حبلَهُ فيأتيَ بحُزمةِ الحطبِ على ظهرِه، فيبيعَها، فيكُفَّ الله بها وجهَهُ؛ خيرٌ لهُ من أنْ يسألَ الناسَ، أعطَوْهُ أو منعُوه" ( [118] ) ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي" ( [119] ) ، وقوله صلى الله عليه وسلم أيضًا:"ما يزال الرجل يسأل الناس؛ حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزْعَةُ لحم". ( [120] ) والملاحظ أن انصراف الأفراد عن جمع المال في المفهوم الإسلامي؛ لابد وأن يكون خدمة للأفراد الذين انصرفوا لجمع المال، دون تكليف من أحد، وإنما برغبة وتلقائية جُبِلوا عليها، أو بفُرَصٍ أتيحت لهم، ولم يضيعوها، وتقديم هذه الخدمة من الفقراء إلى أغنياهم يكون بأشكال مختلفة تتسم بالتنوع والعمق والشمولية. فالجهاد التطوعي مثلا عمل دفاعي عن المال وصاحبه، والعلم تنمية مالية وبشرية بالكشف عن السبل والوسائل الناجحة لإيجاد المال وزيادته كما ونوعا؛ من إدارة وتقنية وعلم نفس ونحو ذلك، والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عمل وقائي وأمني للمال وصاحبه؛ يصرف عنه أصناف الاعتداءات المختلفة من الأفراد أو المسؤولين. بل إن وجود العاجز المعدم، والشيخ الفقير، واليتيم المسكين، وغير هؤلاء ممن حفلت بهم المجتمعات الإنسانية في كامل العصور؛ يضفي على جمع المال معنى، وعلى الغنى هدفا، بالنظر إلى ابتلاء الفقير وتمتع الغني، وتضرر القاصر وانتفاع القوي بقواه الإنتاجية كاملة. وهذه بدورها خدمة معنوية لأصحاب الأموال بشكل من الأشكال التي تدخل ضمن رفع المعنويات أو الإحساس بالأمن، أو الاطمئنان على المستقبل أو ما شابه ذلك، قال تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ؛ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُم من خَوْفٍ} . ( [121] ) التربية الأخلاقيةتقوم التربية الأخلاقية على مبادئ التقوى بمفهومها الواسع والأخوة بمعناها الشرعي؛ التي تشمل جميع الناس، وقد لخصها الحديث النبوي الشريف:"اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن". ( [122] ) أولًا: التقوىلقد حرص الإسلام على تربية أبنائه على خلق التقوى، وتكثيف معانيها في أفكارهم وممارساتهم، فشملت كل جوانب حياتهم واستوعبت كل مكان يكونون فيه، كما قال r في الحديث السابق:"اتق الله حيثما كنت"، ذلك أن خلق التقوى يستأصل الأخلاقيات الفاسدة من حياة الفرد والمجتمع، ويحارب كل سلوك يتنافى مع الفطرة البشرية وكرامة الإنسان.
ولذلك كانت حياة الإنسان اليومية في الإسلام كلها عبادة؛ بداية من آداب النوم والاستيقاظ، إلى آداب الأكل والشرب واللباس، إلى آداب الجلوس والحديث، والعمل والسفر، إلى غير ذلك من الآداب والسلوكيات التي تهدف إلى غرس خلق التقوى، وتعميق معانيه في النفوس، حتى تصل بها إلى الالتزام، عن طواعية ورغبة، بمواصفات الشخصية الإسلامية السوية، المعطاءة، في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية، المادية والمعنوية، التي تليق بالإنسان كمخلوق كرَّمه الله U وحمّله من المسؤوليات الفردية والجماعية ما يليق بهذا التكريم. كما أن للشعائر الإسلامية دور تربوي كبير في ترسيخ خلق التقوى في الأفراد، فأركان الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وحج تُعتبَر بِحقٍّ أركان التقوى، لما لها من مواصفات الاجتماع والتربية والاستمرار، التي تهذّب شخصية الإنسان وتصوغ نفسيته صياغة سويّة، تربط الشكر بالغنى، والقناعة بالتنمية، مثلما تربط الحياة بالآخرة. فالتقوى أساس