أرحب وأوسع مما يعنيه في الحساب المادي الخالص؛ إذ يدخل في نطاق الربح، بمدلوله الإسلامي، كثير من النشاطات التي تعتبر خسارة بمنظار آخر غير إسلامي. وقد سار الإسلام بالإنسان لغرس هذه العقيدة فيه، بتربية أبنائه على مجموعة من المبادئ والأسس، وترسيخها في أفكارهم وأفئدتهم، حتى تؤتي ثمارها في واقعهم وتكون سببًا في فلاحهم في الدنيا والآخرة، ومن أهم هذه المبادئ ما يأتي: أولًا: الاستخلافاستخلف الله U الإنسان بتمليكه هذا الكون ملكية استخلافية، مما يجعله يقوم بالمال ويحافظ عليه ويستمر في تنميته، ويحرص مع ذلك على تنفيذ الواجبات وأداء الحقوق المتعلقة بهذه الملكية، خصوصا ما تعلق منها بجوانب التوزيع بأنواعه المختلفة، التي تقدمت دراستها. والاستخلاف ليس معناه أنَّ الإنسان خليفة لله في أرضه، فالله لا يجوز له خليفة، بل هو I خليفة لغيره، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:"اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل" ( [97] ) ، لأنَّ الخليفة لا يكون إلا عند موت المستخلِف أو غيبته، أو لحاجة المستخلِف إلى الاستخلاف، بينما الله تعالى حي، قيوم، لا يموت، ولا يغيب، غني عن العالمين، ومن جعل له خليفة فقد أشرك به. ( [98] ) ولذلك فمعنى الخليفة كما بيَّنه العلماءُ؛ الذي يخلُفُ مَنْ قَبْلَه، لأنَّ الذي يأتي خليفةٌ لمن يمضي، وهذا الوصفُ يُتصوَّرُ في جميع الأمم وسائر أصناف الناس، لكنه يليق بالأمة الإسلامية أن يُسمى أهلها بجملتهم خلائف للأمم، وليس لهم من يخلفهم، لأنهم آخر أمة. ( [99] ) ومبدأ الاستخلاف له من الأدلة في كتاب الله الكثير من الآيات من بينها:- {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة} . ( [100] ) - {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْض ِ} . ( [101] ) - {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرضِ} . ( [102] ) - {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَف َ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم} . ( [103] ) والملكية في الاقتصاد الإسلامي بأنواعها الثلاثة (الخاصة والعامة والدولة) ترتبط ارتباطا وثيقا بمبدإ الاستخلاف، الذي يعتبر أصلا للملكية، وإطارا يضبطها ويتحكم فيها من حيث اكتسابها واستثمارها والعوائد التي تتحقق منها. فمبدأ الاستخلاف يجعل الملكية بأنواعها الثلاثة تستمد مشروعيتها من المالك الأصلي الذي هو اللَّه I، مما يؤثر على المالك فردا أو جماعة أو دولة فيجعل تصرفاته في الملكية مقيدة بقيود الوكالة ومقتضياتها، فيلتزم بالأحكام التشريعية التي تنظم هذه الملكية سواء من حيث وسائل اكتسابها أو طرق استثمارها، أو التكاليف الاجتماعية المنوطة بها، وهذا ما يسمح للملكية بأداء دورها التوزيعي في رفع المستوى المعيشي لجميع أفراد المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية. ( [104] ) وبالإضافة إلى ذلك فإن علاج مساوئ التوزيع، والقضاء عليها؛ يتطلب بيئة عقائدية صحيحة تحكم الملكية، ومبدأ الاستخلاف يوفر هذه البيئة العقائدية، التي تهيمن على كل الأساليب المادية التي تُواجَه بها مشاكل التوزيع والتفاوت الطبقي، مما يجعل الاقتصاد الإسلامي ينفرد بخصوصية أساليبه في محاربة الفقر ومشاكل التوزيع، عن النظامين الرأسمالي والاشتراكي، وذلك لتميزه بمبدإ الاستخلاف المهيمن عقائديا على كل الالتزامات المشاركة في مواجهة مساوئ التوزيع وتحقيق العدالة الاجتماعية؛ انطلاقا من أن المستخلِف يُلزِمُ المستخلَف بأن يجعل جزءًا مما استُخلِفَ فيه للقضاء على الفقر.
هذا هو التميز الذي ينفرد به الاقتصاد الإسلامي والذي يتجسد في الأساليب ذات الصبغة العقائدية في أداء الأدوار التوزيعية. ( [105] ) إن الإسلام بإقراره نظام الملكية، وإضفائه مفهوم الاستخلاف عليها؛ جعل من الملكية وكالة في التصرف في الثروات، وأمانة في تأدية الواجبات، وبمجرد أن يسيطر هذا المفهوم للملكية على عقلية المالك؛ يصبح قوة توجهه في سلوكه الاقتصادي، وضابطًا صارمًا يفرض عليه الالتزام بفرائض الله U، وحدوده المرسومة في سياسة الأموال، وبهذا يربط الاقتصاد الإسلامي القيمَ الماديةَ بالقيم الروحية، خلافًا للمذاهب الاقتصادية الوضعية؛ الرأسمالية والاشتراكية في انحرافاتها المادية السيئة. ( [106] ) ثانيًا: التوازنينطلق الاقتصاد الرأسمالي والاشتراكي في بناء نظرياتهما الاقتصادية حول الملكية من التسليم المسبق بانعدام التوازن بين الموارد الاقتصادية وحاجات البشر؛ فالحاجات الاقتصادية حسبهم غير محدودة، والموارد الاقتصادية التي تستخدم لإشباعها محدودة، ويعبرون عن ذلك بمشكلة الندرة؛ التي تعتبر من المسلمات الرئيسية عندهم، ويجعلونها موضوع علم الاقتصاد. والنظام الرأسمالي في ارتباطه بمشكلة الندرة، يسلّم بتعارض مصالح البشر وعدم تناسقها، فوجود الفقر ليس سببه سوء توزيع الثروة بين الناس، وتكدسها عند البعض وانعدامها عند البعض الآخر؛ وإنما هو شح الطبيعة نفسها عن إمداد الإنسان بالموارد الكافية لإشباع حاجاته الاقتصادية. وهذا ما انعكس سلبا على السياسات الرأسمالية في معالجة مساوئ التوزيع ومحاربة الفقر والفوارق الطبقية؛ لأنَّ مَنْ بيدهم سلطة اتخاذ القرار مِنْ قادة واقتصاديين، يعتقدون مسبقًا أن المشكلة لن تُحَلّ، لأن الموارد الاقتصادية الموجودة لا تستجيب لجميع الحاجات. إلا أن الاقتصاد الإسلامي لا يقرّ بمشكلة الندرة؛ لأنها تخالف عقيدته في الاستخلاف والتسخير، فالله U قد ضمن الرزق لجميع الناس بما فيها الدواب الأخرى؛ يقول U: {وَمَا مِن ْدَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتاب مبين} . ( [107] ) فالتوازن بين الحاجات البشرية والموارد الاقتصادية مقرّر سلفا؛ ضمن العقيدة الإسلامية، وأكثر من ذلك؛ توازن الموارد فيما بينها، وتوازن حاجات الإنسان كفرد أو جماعة أو دولة، فهو توازن داخل الموارد فيما بينها، والحاجات فيما بينها أيضًا، يقول I: {وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ، وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّله إلا بِقَدرِ مَعْلوم} . ( [108] ) ثالثًا: التسخيرالكون مسخّر للإنسان،