محمود. ( [87] ) ومن الصور الحية للتدرج في تطبيق الاقتصاد الإسلامي في العصر الحاضر، تجربة ماليزيا في مكافحة الفقر، والتي تعتبر من"أبرز التجارب التي كللت بالنجاح على مستوى العالم الإسلامي الذي يعيش 37% من سكانه تحت خط الفقر، فقد استطاعت ماليزيا خلال ثلاثة عقود (1970 - 2000) تخفيض معدل الفقر من 52,4% إلى 5,5% وهو ما يعني أن عدد الأسر الفقيرة تناقص بنهاية عقد التسعينات إلى ثلاثة أضعاف عما كانت عليه الحال في عقد السبعينات.
فقد انخفض معدل الفقر بحلول 2005 إلى 0,5% ويكون الفقر المدقع قد تم القضاء عليه. واللافت في تجربة ماليزيا أن الحكومة وجهت برامج تقليل الفقر التي تم تنفيذها لتقوية الوحدة الوطنية بين الأعراق المختلفة للشعب الماليزي واستخدمت هذه البرامج كوسيلة سلمية لاقتسام ثمار النمو الاقتصادي. وتقوم فلسفة التنمية في ماليزيا على فكرة أن النمو الاقتصادي يقود إلى المساواة في الدخل، وأن وصول الفقراء إلى تعليم وصحة أفضل، يساهما بفعالية في عملية تسريع وزيادة معدلات النمو الاقتصادي.
وشجعت المواطنين المسلمين أفرادا وشركات على دفع الزكاة لصالح صندوق الزكاة القومي، مقابل تخفيض نسبة ما يؤخذ من ضريبة الدخل. ونفذت الحكومة في إطار فلسفتها وسياستها المواجهة للفقر برامج منها برنامج التنمية للأسر الأشد فقرا، وأمانة الأسهم، وأمان اختيار ماليزيا، ومنحت الحكومة إعانات مالية للفقراء مثل تقديم إعانة مالية تتراوح بين 130 - 260 دولار لمن يعول أسرة أو معوق أو غير قادر على العمل بسبب الشيخوخة، وقدمت قروضا بدون فوائد لشراء مساكن، وأسست صندوقا لدعم الفقراء المتأثرين بأزمة العملات الآسيوية عام 1997 م، ووفرت مرافق البنية الأساسية الاجتماعية والاقتصادية في المناطق النائية، وقامت بأنشطة يستفيد منها السكان الفقراء مثل إقامة المدارس الدينية التي تتم بالعون الشعبي وتساهم في دعم قاعدة خدمات التعليم وتشجيع التلاميذ الفقراء على البقاء في الدراسة.
ومن المؤشرات الرسمية ذات الدلالة أن 94% من الفقراء في ماليزيا يتاح لأطفالهم التعليم الأساسي مجانا ويستفيد 72% من الفقراء من خدمات الكهرباء و 65% منهم يحصل على مياه نقية وارتفعت توقعات الحياة لديهم إلى 74 سنة بدلا من 69 سنة". ( [88] ) ثانيًا: تطبيق الحيل الشرعية في الاقتصاد الإسلاميتُستَعْمَلُ الحيلة بمعنى جودة النظر واستعمال الفكر، والقدرة على التصرف في الأمور بدقة ( [89] ) ، وهي وسيلة غير مباشرة للوصول إلى غرض لا يجوز التوصّل إليه مباشرةً، فيَتِمُّ الالتفاف على الطريق المباشر المحرّم من أجل الوصول إلى هذا الغرض. ( [90] ) وكل حيلة يُتوصَّل بها إلى مباح فيه مصلحة، أو استرداد لحق، أو إثباته، وكانت سالمة من الإثم؛ فهي جائزة، وإنما المحرم؛ الحيلةُ التي يُتوصَّل بها إلى إبطال مقصد شرعي ( [91] ) ؛كأن"يُظهِرَ مباحًا، مُخادَعَةً وتَوَسُّلًا إلى فِعْلِ ما حَرَّمَ اللهُ، واسْتِباحَةِ مَحْظُوراتِه، أو إسْقاطْ واجِبٍ، أو دَفْعِ حَقٍّ، ونحو ذلك" ( [92] ) ، ولذلك فإنَّ"الحيل المباحة المتفق على صحتها وسلامتها من سوء النية، هي مخارج من الضيق، وهي تُشْبِهُ الرُّخَص التي تَفَضَّلَ اللهُ بها على عباده للتخفيف عنهم من شدة التكاليف وقتَ الاحتياج لذلك، وإزالةِ الحرج عنهم في الدين.
أما المُختَلَفُ فيها فيمكن الأخذ بها عند الضرورة والحرج الشديد، إن ترجَّح دليلُها أو تساوَى مع دليل بطلانها، خصوصًا للمُضطرِ المُحرَجِ، فيجوز الإفتاء بها له لإخراجه من الحرج والضيق، ولإبقاء حرمة الدين في نفسه" ( [93] ) ومن أنواع الحيل الجائزة؛ التحيُّل على تعطيل أمر مشروع على وجه ينقل إلى أمر مشروع آخر؛ كإنقاص المال عن نصاب الزكاة ببذله في شراء السلع، فقد انتقلت مصلحة هذا المال من نفع الفقير إلى منافع عامة تنشأ عن تحريك المال، كما انتقلت من زكاة النقدين إلى زكاة التجارة ( [94] ) ، وفي هذا التفاتة اقتصادية بارعة؛ فالمزكي بفراره من وجوب زكاة النقدين، مؤقتًا، بمثابة المترخِّص، مع ما في ذلك من جلبٍ لمصالح اقتصادية عامة؛ كترخيص الأسعار على الناس وخاصة الفقراء، بالإضافة إلى أن الفقير لم يضِعْ حقُّه من الزكاة، وإنما تمّ تأجيله فقط، مقابل تحقيق مصلحة عامة. ( [95] ) المتطلبات التربوية ووسائل بلوغها"العالم الإسلامي ليس بيده أن يغير أوضاعه الاقتصادية إلا بقدر ما يطبق خطة تنمية تفتّق أبعاده النفسية، وتخلصه من تركة عصر ما بعد الموحدين، من خرافاتها، وعقدها ومسلماتها الوهمية. يجب أن تتضمن النهضة الاقتصادية هذا الجانب التربوي الذي يجعل من الإنسان القيمة الاقتصادية الأولى، كوسيلة تتحقق بها خطة التنمية، وكنقطة تلاقي تلتقي عندها كل الخطوط الرئيسية في البرامج المعروضة للإنجاز". ( [96] ) وفي هذا المطلب بيان لما يلزم توافره في المسلمين أفرادًا وجماعاتٍ، من تصورات واضحة، وعقائد صحيحة، وسلوكيات تربوية لازمة، فيما يتعلق بملكية الأموال من جانب الإنسان في هذه الحياة، كفرد أو جماعة أو دولة، وما هي المسؤوليات الملقاة على عاتقه، والواجبات الخاصة والعامة التي تناط به بسبب هذه الملكية. التربية العقائديةتعتبر العقيدة، هي القاعدة المركزية في التفكير الإسلامي، التي تحدد نظرة المسلم الرئيسية إلى الكون بصورة عامة، وتملأ نفسه شعورا بالثقة والاطمئنان للشرائع والقوانين النابعة من تلك العقيدة، بصرف النظر عن المنافع المتوخاة من الالتزام بها؛ تحققت أو لم تتحقق. فالإسلام مثلًا؛ يرى أن الملكية حق يتضمن مسؤولية، وليس سلطانًا مطلقًا، كما يعطي للربح مفهومًا