شبرًا". ( [75] ) ومن هذه السياسة العُمَرِيَّة في إدارة الحمى، وتوجيهه نحو القضاء على مشاكل التوزيع والتفاوت في مستويات المعيشة بين أفراد المجتمع، يظهر ما للملكية العامة في الاقتصاد الإسلامي من دور فعال في إعادة توزيع الدخل والثروة، وذلك بجعل الحمى مقصورا على الفئات الفقيرة ذات الدخل المنخفض، وعدم السماح للفئات الغنية ذات الدخل المرتفع من مزاحمتهم في ذلك. ثانيًا: الإقطاعارتبطت كلمة إقطاع بما كان سائدًا في القرون الوسطى من أنظمة إقطاعية، حيث كان الملوك في أوربا يمنحون الأراضي الزراعية الواسعة لكبار القادة والأشراف من أجل استرضائهم، بحيث تكون علاقة الإقطاعي مع الفلاح علاقة سيد وعبد، فالفلاح في النظام الإقطاعي تابع للأرض كغيره من الآلات والحيوانات المملوكة، بينما إقطاع الأراضي في الاقتصاد الإسلامي؛ فهو بعيد كل البعد عن هذه المفاهيم المبنية على استرقاق البشر وهضم حقوقهم الإنسانية. ( [76] ) فالإقطاع في الاقتصاد الإسلامي هو أن يمنح وليّ الأمر لشخص من الأشخاص، مصدرا من مصادر الثروة الطبيعية، وذلك لتوسيع مساحة الاستثمارات المتعلقة بالأموال المباحة وأملاك بيت المال، سواء كان هذا الإقطاع تمليك عين أو منفعة أو هما معًا. ( [77] ) ولذلك يعتبر مبدأ الإقطاع في الاقتصاد الإسلامي أحد أوجه الاستثمار للملكية العامة وملكية الدولة، خاصة مصادر الثروة الطبيعية الخام، التي تتطلب بذل جهدٍ لاستغلالها والانتفاع بها، ولذلك فمن الطبيعي لوليّ الأمر أن يقوم باستثمار تلك المصادر، إما بممارسة ذلك مباشرة، أو بإيجاد مشاريع جماعية، أو بمنح فرص استثمارها للأفراد، تبعًا للشروط الموضوعية والإمكانات الإنتاجية، التي تتوفر في المجتمع من ناحية، ومتطلبات العدالة الاجتماعية من وجهة نظر الإسلام من ناحية أخرى. ( [78] ) والملاحَظُ هنا أن إقطاع التمليك يُشجع المستفيد على الاستثمار بعيد المدى والمحافظة على إنتاجية الأرض، لأنها صارت ملكًا له، بينما إقطاع الانتفاع دون تمليك لا يشجع إلا على الاستغلال السريع المردود، رغم أنه أقرب إلى العدالة والمساواة بين الناس، لذلك يخضع الإقطاع لاجتهاد أولياء الأمور في الموازنة والترجيح بين الكفاءة المرغوبة والمساواة المطلوبة. ( [79] ) ثالثًا: الإحياءخاصة إحياء الأراضي الموات، التي تكوّن نسبة كبيرة من أراضي العالم الإسلامي، بحيث لو تمّ استخدامها واستغلال ما فوقها وما في باطنها، لكان الريع الناتج منها فائضا على أهلها خيرا وبركة؛ فالأراضي الصالحة للزراعة في الجزائر مثلًا؛ لا تتجاوز 18% من المساحة الإجمالية، وتشكل الأراضي البور (أي الموات) 37% من هذه الأراضي الصالحة للزراعة، والسبب في ذلك أن الأراضي البور يتوقف استرجاعها وإحياؤها على وسائل مادية متعددة وتكاليف باهضة. ( [80] ) وهذا ما يتطلب رعاية وإشرافًا من السلطات في البلاد الإسلامية، خاصة عند الشروع في استصلاحها، من أجل إيجاد مجالات واسعة للملكيات الخاصة التي تدعّم اقتصاد الدولة، وتخفف على كاهلها الأعباء الاجتماعية المكلَّفة بها، وذلك بالسماح بتملك الأرض الموات ملكية خاصة بالإحياء، وفقًا لأحكام الشريعة في المعاوضات، لأن تملك هذه الأرض والانتفاع بها لا يكون إلا بالإنفاق وبذل الجهد. ( [81] ) الطرق المؤدية إلى تطبيق أنظمة الاقتصاد الإسلاميالطرق المؤدية إلى تطبيق أنظمة الاقتصاد الإسلامي لا تخرج عن سبيلين؛ العلم والعمل، فبالعلم تتّضح هذه الأنظمة بمؤسساتها، ومنها نظام الملكية، وبالعمل تخضع للنقد والتجديد حتى تترسّخ في أفكار المجتمع، ويصبح احتضانها والعمل بها من ثوابت الأمة التي لا تنفك عنها. أولًا: تطبيق الاقتصاد الإسلامي بالتدرّج والمرحليةالتدرج في تطبيق الأحكام مبدأ أصيل من مبادئ الشريعة الإسلامية، جاءت به نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة، وعمل به الصحابة تعالى والتابعون لهم بإحسان، كما أكدته القواعد الفقهية في المذاهب المختلفة، ولذلك يعتبر منهجًا طبيعيًا ومقبولًا لتحديد المرونة في التطبيق الميداني للاقتصاد الإسلامي في خضم تحديات الواقع؛ لأنه يحقق التوازن بين الواقعية والمثالية، وبين الرخص والعزائم، وبين الوسائل والغايات ( [82] ) ، فقد أجاز الفقهاء ترك بعض واجبات الشريعة وارتكاب بعض محظوراتها للضرورة. ( [83] ) ومن الأدلة على مشروعية التدرج؛ حديث جابر بن عبد الله t أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايع ثقيفًا على الإسلام اشترطت عليه أن لا صدقة عليها ولا جهاد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن بايعهم:"سَيَتَصَدَّقُون ويجاهدون إذا أسلموا" ( [84] ) ؛ "فها هو صلى الله عليه وسلم يقبل شرط ثقيف ألا يتصدقوا ولا يجاهدوا، وذلك لعلمه u أنهم إذا أسلموا وتمكن الإيمان من قلوبهم ستطيب أنفسهم بذلك.
فهو صورة من صور التدرج في الدعوة وفي امتثال أحكام الشريعة الإسلامية. ويلاحظ أن هذا التدرج وقع حال عز الإسلام وعلو كلمته وقوة سلطانه. فالحاجة إلى التدرج حال الاستضعاف من باب أولى". ( [85] ) ومن أمثلة التدرج عند السلف الصالح؛ مقولة عمر بن عبد العزيز لابنه، لما دخل عليه يستعجله في ردّ المظالم إلى أهلها، فقال له:"يا بني، إن نفسي مطيتي إن لم أرفق بها لم تبلغني.
إني لو أتعبت نفسي وأعواني، لم يك ذلك إلا قليلًا، حتى أسقط ويسقطوا. وإني لأحتسب في نومتي من الأجر مثل الذي أحتسب في يقظتي. إن الله، جل ثناؤه، لو أراد أن ينزل القرآن جملة لأنزله، ولكنه أنزله الآية والآيتين، حتى استكن الإيمان في قلوبهم". ( [86] ) ولا يوجد تعارض بين التدرج والأمر بالمسارعة إلى الخيرات في الإسلام، لأن التدرج هو التريث في تطبيق الأحكام إلى حين استكمال الأسباب ووجود الظروف الملائمة، ففرق بين تأخير العمل مع وجود سببه، وبين تأخيره إلى حين وجود السبب، لأن الأول تسويف مذموم، والثاني تأنٍّ