والواضح أن بيركهارت لم يفرق في تناوله للجانب السياسي في العهد العثماني بين ما حدث قبل العهد السعودي عندما كانت الإدارة في المدينة عثمانية كاملة وما حدث بعد سيطرة جيوش محمد علي باشا على المدينة وإنهاء حكم الدولة السعودية فيها، وكان يستخدم مصطلح (عثماني أو تركي) للدلالة على أيٍّ من الفترتين المذكورتين، وهذا يعني أنه لم يحسّ بأي فرق بين إدارة محمد علي باشا والإدارة العثمانية.
كما أن مفهوم العمل السياسي في كتابه ينصب على سياسة الحاكم الداخلية والقضايا الأمنية والإدارية، والصراع العسكري مع الدولة السعودية، فلم تكن المدينة في أيٍّ من الفترتين العثمانية الأولى والثانية والفترة السعودية إمارة مستقلة، ولا كان لها علاقات خارجية متميزة، إنما كانت في جميع الأحوال جزءًا من الدولة التابعة لها (ولاية في العهد العثماني وإمارة في العهد السعودي) وليس لها تعامل سياسي خارجي مستقل.
يبدأ بيركهارت عرض فصل (حول حكومة المدينة) باستعراض تاريخي موجز يبين فيه استقلالية الإدارة في (ولاية) المدينة وعدم تبعيتها لمكة منذ فجر الإسلام وعلى امتداد العصور التالية إلى العهد العثماني باستثناء فترات متقطعة اضطربت فيها الأوضاع الأمنية ونجح أمراء مكة في فرض سيطرتهم على المدينة [1] .
ثم يصف سيطرة العثمانيين على المدينة في عهد الخليفة سليم الأول وابنه سليمان، الذي أرسل حامية عسكرية أكّدت الحكم العثماني،
(1) انظر: الرحلة 305. سوف استعمل هذه الكلمة للدلالة على الكتاب الذي أدرسه وعنوانه (رحلات إلى شبه الجزيرة العربية) لبيركهارت ترجمة هتاف عبد الله مؤسسة الانتشار العربي بيروت 2005 م