فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 205

ولنبدأ القضية من أساسها:

يمتلك الإباضية أهل الحق والإستقامة السند العالي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ممثلًا في قرب عهد إمامهم جابر بن زيد برسول الله عليه الصلاة والسلام، وفي كتابهم الفريد مسند الإمام الربيع بن حبيب ثلاثي السند. ولنا أن نتصور مدى أهمية علو الإسناد حين نرى رحلة عدد جم من طلبة الحديث وأئمته من أجل ذلك.

وعلو الإسناد ميزة نادرة لم تتوفر للمذاهب الأخرى، ولا لكثير ممن ألّفوا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحسبنا أن نعلم أن صحيح البخاري يضم اثنين وعشرين حديثًا ثلاثي السند فقط.

ولما رأى القوم شهرة هذا المسند لدى الإباضية وتمسكهم به وتقديمهم إياه على سائر الصحاح والسنن كان لهم مع الكتاب شأن يختلف عن المعهود عند المحدثين الذين يحرصون على تتبع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. والسبب في هذا الموقف أنه جاء من طريقٍ غير طريقهم، ولو كان راويه أحد أئمتهم لربما قدّموه على صحيح البخاري.

ولا نرى علّة حقيقية وسببًا مقنعًا إلا أنهم تفاجئوا بهذا المسند الشريف وسنده العالي لدى فرقة يعدّونها مبتدعة ضالة، مع اعترافهم بأنهم من أصدق الناس، فحسدوهم على ما آتاهم الله من فضله:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه *** فالقوم أعداء له وحسود

وقد كان الإباضية منذ القدم في معزلٍ- في كثير من الفترات- عن المذاهب الأخرى، لا سيما في عُمان موطن الإباضية، ولذلك لم نر شيئًا يتعلق بالحديث عن مسند الإمام الربيع في الأعصار المتقدمة عند أولئك القوم.

والآن لما تشابكت مصالح الناس وتوحدت قضايا المسلمين أو كادت، واختلطت الشعوب وانفتحت البلدان وعرف الناس الإباضية ومسندهم، منهم من سلّم بالحق، ومنهم من اجترّ عبارات المتقدمين المعلّبة، ولم يعبأ أن يعتمد على مثل الشهرستاني وابن حزم في إلصاق التهم والأكاذيب والأساطير بالإباضية.

وانطلق الوهابية مع الركب، وخاضوا مع الخائضين، بل رفعوا لواء العداء والتبديع والتفسيق والتسفيه، فكانوا من أوائل من أفتى في الإباضية، وشنوا حربًا شعواء بدأوها بفتواهم القاضية بحرق كتب الإباضية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت