الأمرَ دَلَّ على الغائب [1] . وَعَلَيْهِ فَإِنَّ المَقولَ في الآيَةِ يَغْدو مَسوقًا وَفْقَ صيغَةِ الكَلامِ المُخْبَرِ إِخْبارًا (غَيْرَ مُباشَرٍ) .
وَإِنَّ المَرْءَ لَيَعْجَبُ أَشَدَّ العجبِ مِنْ هذا الرَّأيِ، إِذْ كَيْفَ تُحْذَفُ لامُ الأَمْرِ، وَهِيَ وَحْدَها الدَّالَّةُ عَلى الأَمْرِ في التَّرْكيبِ؟! وَلَوْ كانَ الشَّأْنُ في الآيَةِ مُوَجَّهًا عَلى الأَمْرِ، إِذَنْ لَكانَ الأَوْلى -بِبَساطَةٍ شَديدَةٍ- الإِبْقاءَ على ما يَدُلُّ عَلى الأَمْرِ، لا حَذْفَهُ. وَالقَوْلُ بِهذا الرَّأيِ، فَضْلًا عَنِ الأَخْذِ بِهِ وَتَبَنّيهِ، يَصْطَدِمُ بِما هُوَ أَشَدُّ وَأَعْجَب: فَلَوْ صَحَّ أَنَّ الأُسْلوبَ في الآيَةِ آتٍ عَلى الأَمْرِ، وَأَنَّ لامًا للأَمْرِ مَحْذوفَة هُنا بِدَعْوى أَنَّ الأَمْرَ إِنَّما هُوَ أَمْرٌ لِلْغائِبِ كَما قيلَ، فَلِمَ لَمْ تَرِد الآيَةُ -أَصْلًا وَابْتِداءً- عَلى الصّيغَةِ المَعْهودَةِ للأَمْرِ، أَيْ بِاسْتِخْدامِ فِعْلِ الأَمْرِ، وهذا مُسْتَتْبِعٌ كَوْنَ الكَلامِ بَعْدَ (قُلْ) مَنْقولًا نَقْلًا حِكائِيًّا (مُباشَرًا) : (قُلْ لِعِبادِيَ الذينَ آمَنوا أَقيموا الصَّلاةَ وَأَنْفِقوا) ؟! وَذلِكَ بِالقِياسِ عَلى ما هُوَ وارِدٌ في آياتٍ أُخَرَ، مِثْلَ: {قُلْ أَنْفِقوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ} [2] ، وَ {وَقُلْ لِلَّذينَ لا يُؤْمِنونَ اعْمَلوا عَلى مَكانَتِكُمْ} [3] .
وأَمّا الوَجْهُ الثّاني فَهُوَ أنَّ {يُقيموا} في الآيَةِ جوابُ أمرٍ مَحذوفٍ، وَالتَّقْديرُ: قُلْ لهم أَقيموا الصَّلاةَ يُقيموا الصَّلاةَ ويُنفِقوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وعَلانية [4] . وَإِذا كُنّا قَدْ رَفَضْنا الرَّأْيَ السّابِقَ لانْطِوائِهِ عَلى القَوْلِ بِحَذْفِ لامِ الأَمْرِ، وَهِيَ وَحْدَها المُفْهِمَةُ للأَمْرِ في التَّرْكيبِ، فَإِنَّ رَفْضَ هذا الرَّأْيِ -الثّاني- مُساوِقٌ رَفْضَنا الرَّأْيَ الأَوَّل، لأَنَّهُ يَنْطَوي عَلى القَوْلِ بِحَذْفِ فِعْلِ الأَمْرِ، بَلْ الجُمْلَة المُحْتَضِنَة للأَمْرِ بِأَسْرِها: (أَقيموا الصَّلاةَ) ! ناهيكَ عَن أَنَّ هذا التَّقْديرَ لا يُنْتِجُ سِوى تَركيبٍ لَيْسَ بِمَسْموعٍ، أَوْ هُوَ في أَحْسَنِ الأَحْوالِ تركيبٌ غَريبٌ: (قُلْ لَهُمْ أَقيموا الصَّلاةَ يُقيموا الصَّلاةَ) ! وَالأَصْلُ أَنْ يُقالَ -إِذا صَحَّ التَّقْديرُ-: (قُلْ لَهُمْ أَقيموا الصَّلاةَ يُقيموها) ، والآيَةُ لَيْسَتْ عَلى هذِهِ الحال.
وَالذي قَدْ يَدْفَعُ بِقُوَّةٍ في اتِّجاهِ رَفْضِ هذا الرَّأْيِ -الثّاني- مَرَّةً أُخْرى، أَنَّنا مَعَهُ سَنَكونُ مُضطَّرّينَ، في الشِّقِّ الثّاني للآيَةِ، إِلى تَقْديرِ فِعْلِ أَمْرٍ جَديدٍ غَيْرِ الذي قَدَّرْناهُ في الشِّقِّ الأَوَّل. فَإِذا كانَ المُفَسِّرونَ يُقَدِّرونَ (أَقيموا) في {قُلْ لِعِبادِيَ الذينَ آمَنوا يُقيموا الصَّلاةَ} ، لِيُصْبِحَ التَّقْديرُ -كَما خَلا مِنّا القَوْلُ-:"قُلْ لهم أَقيموا الصَّلاةَ يُقيموا الصَّلاةَ"، فَإِنَّهُمْ سَيَكونونَ في أَمَسِّ الحاجَةِ إِلى أَنْ يُقَدِّروا فِعْلًا ثانِيًا هُوَ (أَنْفِقوا) في {وَيُنْفِقوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وعَلانِيَةً} ، ليَسْتَقِرَّ تَقْديرُ الآيَةِ بِأَكْمَلِها عَلى النَّحْوِ:"قُلْ لهم أَقيموا الصَّلاةَ يُقيموا الصَّلاةَ، وَأَنْفِقوا َيُنْفِقوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وعَلانِيَةً".
وَلا يَتَوَقَّفُ الأَمْرُ عِنْدَ ذَيّالِكَ الحَدّ، فَإِنْ رُحْتَ تُقَدِّرُ فعلَ أَمْرٍ لِلْجَواب (يُقيموا الصَّلاةَ) -مُجاراةً لِصَنيعِ المُفَسِّرينَ-، فَلا بُدَّ مِن أَنْ تُقَدِّرَ بَعْدَ فعلِ الأَمْرِ مَفْعولَهُ، وَهُوَ"الصَّلاة"، لِيَصيرَ الكَلامُ المُقَدَّرُ -كَما سَبَقَ-: (أَقيموا الصَّلاةَ يُقيموا الصَّلاةَ) . وَإِنْ أَنْتَ رُحْتَ تَفْعَلُ الشَّيْءَ عَيْنَهُ مَعَ شِقِّ الآيَةِ الثّاني -وَهُوَ أَمْرٌ ضَرورِيٌّ لاسْتِقامَةِ التَّرْكيب-، فَعَمَدتَ إِلى تَقْديرِ فعلِ الأَمْرِ لِلْجَوابِ: (يُنْفِقوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وعَلانِيَةً) ، كانَ لِزامًا ذِكْرُ مَصْدرِ الإِنْفاقِ. فالآمِرُ، وَهُوَ الرَّسول، يَأْمُرُهُمْ بِالإِنْفاقِ، وَيُحَدِّدُ لَهُمْ مِنْ أَيْنَ يُنْفِقون. أَوْ هُوَ يَأْمُرُهُمْ بِالإِنْفاقِ وَيُذَكِّرُهُمْ -في الآنِ نَفْسِهِ- بِأَنَّهُم لا يُنْفِقونَ إِلا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ: (قُلْ لَهُمْ أَنْفِقوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ سِرًّا وَعَلانِيَةً يُنْفِقوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً) . وَلا يَخْفى ما في هذا التَّقْديرِ مِنْ طولٍ وَبُعْدٍ عَنْ روحِ الآيَةِ.
(1) انظر: القرطبيّ، الجامِع لأَحْكامِ القُرْآن، ج 9، ص 366.
(2) التَّوْبَة 9: 53.
(3) هود 11: 121.
(4) انظر: القرطبيّ، الجامِع لأَحْكامِ القُرْآن، ج 9، ص 366.