وَيَنْضافُ إِلى ما ذُكِرَ أَنَّ في الواقِعِ المَعيشِ -إِنْ في زَمانِ المُصْطَفى صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ في زَمانِنا- ما يَقْدَحُ عالِيًا في هذا الرَّأْيِ الأَخيرِ مِنْ جِهَة، وَيَعْضُدُ رَأْيَنا المَسوقَ هُنا مِنْ جِهَةٍ ثانِيَة. ذلِكَ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ التَّقْديرُ:"قُلْ لهم أَقيموا الصَّلاةَ يُقيموا الصَّلاةَ ..."، لأَفْهَمَ أَنَّ الرَّسولَ -أَوْ وَلِيّ الأَمْر- ما إِنْ يَأْمُرْهُمْ بِإِقامَةِ الصَّلاةِ حَتّى يُبادِروا -حَتْمًا- مُسْرِعينَ إِلى إِقامَتِها، وَلا يَكادُ يَأْمُرُهُمْ بِالإِنْفاقِ مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ حَتّى يَسْتَجيبوا -قَطْعًا- لِطَلَبِهِ وَيَمْتَثِلوا لأَمْرِهِ. وهذا غَيْرُ صَحيحٍ عَلى الإِطْلاق.
وَيَنْطَبِقُ هذا الفَهْمُ تَمامًا عَلى آياتٍ أُخْرى، وَلا فَرْق. فَأَنْتَ إِنْ نَظَرْتَ إِلى قَوْلِ الحَقِّ لِموسى -عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذوا بِأَحْسَنِها} [1] ، تَجِدْ أَنَّ أَخْذَ بَني إِسرائيلَ بِأَحسن ما جاءَ في أَلْواحِ التَّوْراةِ، لا يُمْكِنُ أَنْ يَكونَ -بِحالٍ- نَتيجَةً لأَمْرِ موسى إِيّاهُمْ، بِدَليلِ أَنَّ موسى ما إِنْ عادَ مِنْ ميقاتِ رَبِّهِ حَتّى وَجَدَ قَوْمَهُ يَتَّخِذونَ العِجْلَ إِلهًا. ثُمَّ إِنّهُمْ مِنْ بَعْدُ قَدْ عَصَوْا أَمْرَ موسى، وَذلِكَ عِنْدَما طَلَبَ إِلَيْهِم دُخولَ الأَرْضِ المُقَدَّسَة. قالَ"أَبو حَيّان":"وينبغي تأويل: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ} لأَنَّهُ لا يلزمُ مَنْ أَمَرَ قَوْمَهُ بِأَخْذِ أَحْسَنِها أَنْ يَأْخُذوا بِأَحْسَنِها، فَلا يَنْتَظِمُ مِنْهُ شَرْطٌ وَجَزاء" [2] . خُلاصَةُ القَوْلِ: إِنَّ الأَخْذَ بِأَحْسن ما في الأَلْواحِ لا يُمَثِّلُ نَتيجَةَ الأَمْر وَجَوابَه، بَلْ هُوَ فَحْوى ذلِكَ الأَمْرِ وَمَضْمونُه. وَمِنْ أَجْلِ هذا، لا يَكونُ مَعْنى {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذوا بِأَحْسَنِها} أَنَّهُ ما إِنْ تَأْمُرْ قَوْمَكَ يا موسى حَتّى يَأْخُذوا بِأَحسن ما في الأَلْواح، بَل المَعْنى لا يُفارِقُ التَّقْديرَ: وَأْمُرْ قَوْمَكَ أَنْ يَأْخُذوا بِأَحْسَنِها. وَيَقْرُبُ مِنْ هذا ما جاءَ عَلى لِسانِ أَهْلِ النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّم في قَوْلِ اللهِ: {وَقالَ الذينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ: ادْعوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذاب} [3] . فَهذا لا يَحْتَمِلُ إِلا التَّقْدير:"ادعوا رَبَّكُمْ أَنْ يُخَفِّفَ عَنّا ..."، فَقَدْ وَرَدَ في الآيَةِ التي تَتْلوها: {قالوا: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ. قالوا: بَلى. قالوا: فَادْعوا وَما دُعاءُ الكافِرينَ إِلا في ضَلال} [4] .
وَعَلى أَيِّ حالٍ، فَإِنَّ الرَّأْيَيْنِ السّابِقَيْنِ، اللذَيْنِ يُحاوِلانِ تَفْسيرَ سبب حذفِ النّون في (يُقيموا) ، مِنَ الآيَةِ:"قُلْ لِعِبادِيَ الذينَ آمَنوا يُقيموا الصَّلاةَ وَيُنْفِقوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وعَلانِيَةً"، مُنْطَلَقُهُما واحِدٌ. ففي تَصَوُّري أَنَّ الذي أَلْجَأَهُمْ إِلى أَنْ يُقَدِّروا -حسبَ الرَّأْيِ الأَوَّل-: (قُلْ لَهُمْ لِيُقيموا) ، وَ (قُلْ لَهُمْ أَقيموا يُقيموا) -حسبَ الثّاني-، أَنَّهُمْ أَدْرَكوا أَنَّ ما بَعْدَ (قالَ) يَنْبَغي أَنْ يَكونَ مَقولًا عَلى الحِكايَةِ ليسَ غير. فَـ (لِيُقيموا) مُتَّسِقٌ مَعَ الحِكايَةِ، وَ (أَقيموا ... ) آتٍ عَلى إيقاعِ الحِكايَةِ. أَيْ أَنَّهُمْ لَمّا وَجَدوا أَنَّ ما يَلي فِعْلَ القَوْلِ في الآيَةِ العَزيزَةِ لا يُمْكِنُ أَنْ يُحْكى حِكايَةً:"يُقيموا الصَّلاةَ وَيُنْفِقوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وعَلانِيَةً"، أَيْ لا يُمْكِنُ الابْتِداءُ بِهِ، أَو -بِعِبارَةٍ ثالِثَةٍ- لا يُمْكِنُ قَطْعُهُ أَوْ عَزْلُهُ وَحْدَهُ كَأَيِّ مَقولٍ لِلْقَوْل، اضطرّوا إِلى القَوْلِ بِالتَّأْويلَيْنِ السّالِفَيْنِ القائِمَيْنِ عَلى مَقولَةِ الأَمْر: حَذْف لامِ الأَمْر، وحذف فعلِ الأَمْر.
إِذَنْ فَكِلا الرَّأْيَيْنِ يَصْدُرُ عَنْ مَقولَةِ الأَمْرِ، وَلكِنّا لا نَنْظُرُ إِلى المَسْأَلَةِ نَظَرَهُمْ إِلَيْها، وَلا إِلى التَّرْكيب مِنَ الزّاوِيَةِ التي أَطَلّوا مِنْها عَلَيْه. إِذْ لا أَلْمَحُ في الآيَةِ أَيَّ أَثَرٍ للأَمْرِ، عَلى النَّحْوِ الذي أَرادوهُ، بَل الشَّأْنُ فيها لا يَتَفَلَّتُ -في ظَنّي- مِنَ الطَّلَب، وَحَسْبُ. إِنَّ كُلَّ ما يُمْكِنُ تَقْديرُهُ هُوَ (أَنْ) ، لِيُصْبِحَ مَعْنى القَوْلِ في الآيَةِ مُوافِقًا للطَّلَب، وَلا شَيْءَ آخَر. إِذِ التَّقْديرُ -وَاللهُ تَعالى أَعْلى وَأَعْلَم، وَأَجَلُّ وَأَكْرَم-: (قُلْ لِعِبادِيَ الذينَ آمَنوا أَنْ يُقيموا
(1) الأعراف 7: 145.
(2) أَبو حيّان الأندلسيّ، تفسير البحر المُحيط، ج 4، ص 388.
(3) غافر 40: 49.
(4) غافر 40: 50. وَيَجْمُلُ أَنْ تُقارِنَ بَيْنَ قولِهِ: {ادْعوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذاب} ، وقولِهِ -مَثَلًا-: {وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ، فَإِذا احْتَمَلَ الأوَّل تَقْديرَ (أَنْ) : (ادْعوا رَبَّكُمْ أَنْ يُخَفِّف ... ) ، فَإِنَّ القَوْلَ الثّانِيَ لا يُمْكِنُ أَنْ يَحْتَمِلَ تَقْديرَ (أَنْ) ، فَلا يُقال: (*ادْعوني أَنْ أَسْتَجيب) .