ذائِقو العذاب". ويَتَرَتَّبُ على هذا أَنْ يُقالَ: إِنَّ الكَلامَ في الآيَةِ كلامٌ واحِدٌ بَيْدَ أَنَّهُ مُنْشَطِرٌ إلى شطرَيْنِ: (فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا) وَ (إِنّا لَذائِقونَ) . وبِما أَنَّ هذيْنِ الشطرينِ يَرْتَدّانِ إلى كلامٍ واحِدٍ، فهما لا شَكَّ مُنَغَّمانِ تَنغيمًا واحِدا."
ولكنْ يَصِحُّ مِن وجهٍ آخَرَ أَنْ يُنْظَرَ إلى الآيةِ العزيزةِ بانفِصالِ ما بين"فَحَقَّ علينا قَوْلُُ ربِّنا"و"إِنّا لَذائِقونَ"، أَيْ بالنَّظَرِ إِلى الكلامِ فيها بِاعْتِبارِهِ كلامَيْنِ لا كَلامًا واحِدًا. وإِنْ شِئْتَ فكلامٌ واحِدٌ بيدَ أَنَّهُ خاضِعٌ لِتنغيمَيْنِ، يَلُفُّ التنغيمُ الأوَّلُ قولَهُ:"فَحَقَّ علينا قَوْلُُ ربِّنا"، بينَما يَلُفُّ الثاني قَوْلَهُ:"إِنّا لَذائِقونَ". وعلى أَيِّ حالٍ، فإِنَّ لكَ أَنْ تُعَبِّرَ عن هذا الوجهِ -الثاني- كِتابِيًّا بِوَضْعِ نقطةٍ واحِدَةٍ، بها تَعْقبُ القولَ الأوَّلَ لِتُنْهِيَه، وتسبِقُ القولَ الثانِيَ لتبتدِئَهُ، هكذا:"فَحَقَّ علينا قَوْلُُ ربِّنا. إِنّا لَذائِقونَ". فكأَنَّ المُجرِمينَ يَوْمَ الفصلِ، لَمّا أَدْرَكوا مَوقِفَ السؤالِ العظيم، وتَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُم مَهْدِيّونَ إِلى صِراطِ الجَحيمِ، استسلموا للندامة، فَجَعَلوا يَتَلاوَمون، وَطَفِقوا يُوَلْوِلونَ، فقالوا:"فَحَقَّ علينا قَوْلُُ ربِّنا". ثُمَّ تَوَقَّفوا، فابتَدؤوا مِن جديدٍ القولَ:"إِنّا لَذائِقونَ".
وحسبَ هذا التوجيهِ لا يَكونُ الفعلُ (قالَ) في الآيةِ مُوَظَّفًا لغيرِ الكلامِ المَنقولِ حِكايةً.
ولا أَرى أَيَّ بَأْسٍ في الوَقْفِ في هذا المَوْطِنِ، ذلِكَ أَنَّهُ لا يُخالِفُ المَعْنى، وَمَعْلومٌ أَنَّ الوَقْفَ في القُرْآنِ العَظيمِ تابِعٌ لِلْمَعْنى، كَما أَخْبَرَ عُلَماءُ (الوَقْفِ وَالابْتِداء) أَو (القَطْع وَالاسْتِئْناف) [1] . كَما أَنَّ الوَقْفَ في المَوْطِنِ المَوْصوفِ لا يُفْضي إِلى مَحْظورٍ نَصَّ عَلَيْهِ الأَئِمَّةُ الأَعْلامُ، إِذْ لَيْسَ فيهِ -مَثَلًا- كَلِمَةٌ تَعَلَّقَتْ بِما بَعْدَها، وَما بَعْدَها مِنْ تَمامِها: كَالوَقْفِ عَلى المُضافِ دونَ المُضافِ إِلَيْهِ، أَوْ عَلى المَنْعوتِ دونَ نَعْتِهِ، أَو عَلى الشَّرْطِ دونَ جَوابِهِ، أَوْ عَلى الرّافِعِ دونَ مَرْفوعِهِ، أَوْ عَلى النّاصِبِ دونَ مَنْصوبِهِ، أَوْ عَلى المُؤَكَّدِ دونَ تَوْكيدِهِ، أَوْ عَلى المَعْطوفِ عَلَيْهِ دونَ المَعْطوفِ ... ، إلخ [2] .
وَإِنَّني لأَظُنُّ أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلى الوَقْفِ في المَوْطِنِ المُشارِ إِلَيْهِ مِنَ الآيَةِ المَدْروسَة، لَيْسَ فيهِ أَيُّ ذَرَّةٍ مِنْ مِثْقالِ شُبْهَةٍ أَوْ إِشْكال، فَقَدْ دَعا الأُسْتاذُ المَرْحومُ عَبْدُ الوَهّابِ النَّجّار دَعْوَةً مُشابِهَةً وَلكِنْ في آيَةٍ أُخْرى، وذلِكَ حينَما نَبَّهَ عَلى ضَرورَةِ أَنْ يوقَفَ عِنْدَ قَوْلِهِ:"فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ"، وَأَنْ يُبْتَدَأَ بِقَوْلِهِ -عَزَّ اسمُهُ-:"أَرْبَعينَ سَنَة يَتيهونَ في الأَرْضِ" [3] ، لأَنَّ الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ بِبَساطَةٍ"حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ تَحْريمًا أَبَدِيًّا، لا تَحْريمًا مُقَيَّدًا بِأَرْبَعينَ سَنَة. وَذلِكَ أَنَّ الرِّجالَ الصّالِحينَ لِلْحَرْبِ الذينَ عَصَوْا أَمْرَ موسى وَقالوا: (اِذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا) ماتوا في البَرِّيَّة أَثْناءَ السِّنينَ الأَرْبَعين، وَلَمْ يَدْخُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَرْضَ المَوْعِد. فَكانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ بِإِطْلاق" [4] .
3 -وأمّا الآيةُ الثالثةُ التي نريدُ امتحانَ مجيءِ فعلِ القولِ فيها لنقلِ الكلامِ إخبارًا لا حِكايةً، فهي قولُهُ -عزَّ-: {قُلْ لِعِبادِيَ الذينَ آمَنوا يُقيموا الصَّلاةَ وَيُنْفِقوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وعَلانِيَةً} [5] . للسّادةِ العلماءِ في توجيهِ هذه الآيةِ العزيزةِ وَجْهان: الأَوَّلُ يَذْهَبُ إلى أنَّ (يُقيموا) مَجزومٌ بمعنى لامِ الأمرِ، أي: لِيُقيموا، ولكنْ أُسقِطَت اللامُ لأنَّ
(1) انظر: الأشمونيّ، أحمد بن محمَّد بن عبد الكريم (مِن عُلَماء القرن الحاديَ عَشَرَ الهجريّ) ، منار الهدى في بيان الوقف والابتدا، ومعه: المقصد لتلخيص ما في المرشد في الوقف والابتداء، علَّق عليه: شريف أبو العلا العدوي، ط 1، دار الكتب العلميَّة، بيروت - لبنان، 1422 هـ - 2002 م: ص 26.
(2) انظر السّابق: ص 46.
(3) الآيَةُ بِتَمامِها: {قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعينَ سَنَةً يَتيهونَ في الأَرْضِ. فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقين} (المائدة 5: 26) .
(4) عبد الوهّاب النَّجّار، قصص الأنبياء، ط 3، دار إحياء التُّراث العربيّ، بيروت - لبنان: ص 228.
(5) إبراهيم 14: 31.