الصفحة 25 من 39

مَكَّنّاهُم فيما إِنْ مَكَّنّاكُم فيه". فـ (إِنْ) هنا هِيَ في التَقديرِ (ما) النافية، لكنُ عُدِلَ عن (ما) إلى (إِنْ) ، لئلا يَتَّسِمَ الكلامُ بالتكرارِ الثقيلِ. وكَأَنَّ أصلَ التركيبِ المَعْدولَ عنهُ في الآيةِ أنْ يُقالَ: (ولقد مَكَّنّاهُمْ فيما ما مَكَّنّاكُمْ فيهِ) ، بتتابُعِ (ما) الأولى المَوصولة و (ما) الثانية النافية. قالَ ابنُ هشامٍ:"وكَأَنَّهُ إنَّما عُدِلَ عن (ما) لئلا يَتَكَرَّرَ فيثقلَ اللفظُ. قيلَ: ولهذا لمّا زادوا على (ما) الشَّرطيَّة (ما) ، قَلَبوا أَلِفَ (ما) الأولى هاءً، فقالوا: (مَهْما) " [1] ."

وكونُ (إِنْ) نافيةً في الآيةِ مُؤَيَّدٌ عندَهُ بقولِ اللهِ -تعالى وتَجَبَّرَ- في مَوطِنٍ آخر: {مَكَّنّاهُمْ في الأرضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ} [2] . فبالمقابلةِ بينَ الآيَتَيْنِ يَتَرَجَّحُ معنى النفيِ للأداةِ (إِنْ) في أولاهُما.

وأَمّا الموطنُ القرآنيُّ الآخر، الذي نَجِدُ فيهِ عدولًا عن تكرارٍ مُنَفِّرٍ واقِعٍ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مُنْفَصِلَتَيْنِ، فهو قول المولى -تبارَكَ-: {يا أَيّها الذينَ آمَنوا لا تَسْأَلوا عَنْ أشياءَ إنْ تُبدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [3] . فقد تَنَبَّهَ"رمضان عبد التوّاب"إلى أمرٍ في الآيةِ غايةٍ في الدِّقَّةِ، لعلَّهُ كانَ السببَ الحقيقيَّ في مَنْعِ كلمةِ"أَشياءَ"مِن الصرف فيها. قالَ:"وَلَعَلَّ المَسئولَ عن منع كلمة"أشياء"مِن الصرف، وقوعُها في القرآنِ الكريمِ في سياقٍ تَتَوالى فيهِ الأَمثالُ لو صُرِفَتْ في قولِهِ -تَعالى-:"لا تَسأَلوا عن أشياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ". إذ لو صُرِفَتْ لقيلَ:"عن أشياءٍ إِنْ"، ولا يَخفى ما فيهِ مِن تَكرارِ المقطعِ (إِنْ) " [4] .

خُلاصَةُ القَوْلِ: إِنَّ العُدولَ عَنْ تَكْرارِ (هْلِكَ) في صيغَةِ الخِطابِ: (ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِكَ) هُوَ المُتَسَبِّبُ -عِنْدي- في إِنْتاجِ الصّيغَةِ التي بِالغِيابِ: (ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ) . وهذا الرَّأْيُ لَهُ مِن الوَجاهَةِ حَظٌّ، لِوُجودِ نَظائِرَ لِهذا العُدولِ في كَلامِ اللهِ نَفْسِهِ كما انْكَشَفَ لَنا، وَاللهُ -تَعالى- أَعْلَمُ.

2 -وأمّا الآيةُ الثانيةُ، التي قَدْ يُنْبِئُ تَرْكيبُها بِأَنَّ القَوْلَ فيها مَتْلُوٌّ بِكَلامٍ مَنْقولٍ بِالمَعْنى وَالمَضْمون، فهي: {فَحَقَّ علينا قَوْلُُ ربِّنا إِنّا لَذائِقونَ} [5] . وقد علَّق ابن هشام بأَنْ قالَ:"والأصل إنكم لذائقون عذابي ثم عدل إلى التكلم لأنهم تكلَّموا بذلك عن أنفسهم، كما قالَ:"

أَلَمْ تَرَ أنّي يَوْمَ جَوِّ سُوَيْقَةٍ ... بكيتُ فَنادَتْني هُنَيْدَةُ ماليا

والأصلُ: ما لَكَ" [6] ."

ولا شَكَّ أَنَّ ما قالَهُ ابنُ هشامٍ مُصَوَّبٌ عِنْدَ كلِّ أحَدٍ، فيَكونُ قولُهُم الذي نَقَلوهُ عن رَبِّهِم، وهو"إِنّا لَذائِقون"، داخِلًا في بابِ الكلامِ المَنقولِ بطريقةٍ غيرِ مَحكِيَّةٍ. والأصلُ فيهِ أَنْ يَكونَ كلامًا مَحكِيًّا، أو خطابًا مِن العليِّ القديرِ إِلى الظالمين، كتقديرِ ابنِ هشام:"والأصل: إنكم لذائقونَ عذابي". والأصلُ المَحْكِيُّ الذي قَدَّرَهُ ابْنُ هِشامٍ مَذكورٌ صَراحَةً فيما تَلا الآيةَ السابِقَةَ مِن آيات، وذلك حينَ انتقَلَ الرحمنُ بالمَشهدِ مِن يَوْمِ الدينِ إلى الحياةِ الدُّنيا، حيثُ نَقْرَأُ: {إِنَّهُم كانوا إِذا قيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلا اللهُ يَسْتَكْبِرون. وَيَقولونَ أَئِنّا لَتارِكو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنونٍ. بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وَصَدَّقَ المُرْسَلينَ. إِنَّكُمْ لَذائِقو العَذابِ الأَليمِ} [7] .

إِذَنْ فَـ"إِنّا لَذائِقونَ"إِنَّما هو مَضْمون"قَوْلُُ ربِّنا"ومَعْناه. بِمَعنى آخَرَ: يَتَسَلَّطُ القولُ في"قَوْلُُ ربِّنا"على"إِنّا لَذائِقونَ"، وذلك على اعتِبارِ أَنَّ المَعنى إِذْ ذاكَ نَحْوٌ مِن:"فَحَقَّ علينا قَوْلُُ ربِّنا الذي أَخْبَرَنا فيهِ أَنّا"

(1) ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: ص 35.

(2) الأنعام 6: 6.

(3) المائدة 5: 101.

(4) رمضان عبد التَّوّاب، التطوُّرُ اللغويُّ: مَظاهِرُهُ وعِلَلُهُ وَقَوانينُهُ، ط 3، مكتبة الخانجي - القاهرة، 1417 هـ - 1997 م، 74 - 75.

(5) الصافّات 37: 31.

(6) ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: ص 540

(7) الصافّات 37: 35 - 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت