الصفحة 24 من 39

العروضي كَمًّا وكيفًا. إذ تتكوَّنُ كِلْتا الكلمتَيْنِ (مَهْلِكَ) و (أَهْلِكَ) ، مِن ثلاثةِ مَقاطِعَ: مُتوسِّطٍ مغلقٍ، فقصيريْنِ مَفتوحَيْنِ. بل إنَّهما مُتَقاطِعتانِ في كلِّ أصواتِهِما: الصامتةِ والعِلَّةِ، إلا ما كانَ مِن أمرِ الصوتِ الصامتِ الأوَّلِ، فهو الميمُ في (مَهْلِكَ) ، والهمزةُ في (أَهْلِكَ) . ولأجلِ هذا، تَجَنَّبَ القرآنُ المجيدُ إيقاعَ المُشْتَرَكِ الصوتيِّ"هْلِكَ"وتكرارَهُ في كلٍّ مِنْ: (مَهْلِكَ) و (أهْلِكَ) .

ومعلومٌ أنَّ اللغةَ العربيَّةَ تَميلُ، أحيانًا، إلى التخلُّصِ مِن تَوالي المَقاطِعِ المُتَماثِلةِ، كما هو حادِثٌ كثيرًا عندَ حذفِ تاءِ المُضارَعةِ مِن الصيغِ (تَفَعَّلَ) و (تَفاعَلَ) و (تَفَعْلَلَ) . وهي ظاهرةٌ كثيرةُ الشيوعِ في القرآنِ العظيمِ [1] .

إذَنْ، فمَجيءُ الكلامِ مَنقولًا نقلَ إخبارٍ بعدَ فعلِ القولِ في آية سورة النملِ، إنَّما هو طارئٌ عارضٌ لغرضٍ صوتيٍّ سَمْعِيٍّ كما تَبَيَّنَ. وإذا قُبِلَ هذا مِنّا، فإنَّ الحالَ مع هذه الآيةِ تَستقيمُ لنا، مِن جهةِ أَنَّ الكلامَ الذي يَتبعُ فعلَ القولِ فيها ما يَزالُ في أصلِ التقديرِ على هيئةِ الكلامِ المحكيِّ حِكايةً.

وَبَعْضُ المُفَسِّرينَ يُقَدِّرُ في الآيةِ حذفًا، إذ هي عندَهُ على مِنوالِ:"ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهلِهِ ومَهْلِكَهُ" [2] ، وهو تقديرٌ عجيبٌ. إذ كيفَ تُحذَفُ عبارةُ"مَهْلِكَهُ"، وهي تَحْوي الضميرَ العائدَ إلى صالحٍ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، وهو الأهمُّ في الذِّكرِ والأَوْلى بِالإفرادِ، لِمُخالفتِهِ مُعْتَقَدَهُم وإنذارِهِ المُسْتَمِرِّ لَهُمْ. فضلًا عن أَنَّهُ هو مِحورُ القصَّةِ المَسوقةِ لتثبيتِ الرسولِ محمدٍ وأصحابِهِ. ومِن أَدَلِّ الدَّليلِ على أَنَّ صالِحًا أهمُّ ما في الأمرِ، مِن تركيبِ الآيةِ عينِها، أَنَّ القومَ لمّا تَآمَروا، تَقاسَموا باللهِ فيما بينهم أنْ يَقتُلوا صالِحًا وأهلَهُ، ثمَّ يقولوا"لوليِّهِ"، أي: لوليِّ صالحٍ، لا لوليِّ أهلِهِ أو وليِّهِم. فكيفَ يُحذفُ بعدُ ذِكرُ مَهْلِكِ صالحٍ؟ ثمَّ يَتَرَجَّحُ عندي أنَّ"مهلِكَ أهلِهِ"المَقصودُ بها الخطابُ لا الغيبةُ، أَنَّها مَتبوعةٌ بما هو مُفْهِمٌ بأَنَّهُ خِطابٌ مُوَجَّهٌ للوليِّ، وهو قولُهُ:"وإنّا لَصادِقونَ". فهذه مِمّا لا يُمكِنُ أنْ يَقولَها إِلا القومُ المُتآمِرونَ وَإلا كذبًا في حضرةِ وليِّ صالحٍ وأهلِهِ.

وباعتمادِ الرأيِ الذي نقولهُ، يَغدو القولانِ المَنقولانِ لنا في الآيةِ مُتَساوِقَيْنِ مِنْ حيثُ دلالتُهُما على الكلامِ المَحكيِّ. أَمّا الأوَّلُ فهو قولُهُ:"قالوا: تَقاسَموا باللهِ لنُبيِّتَنَّهُ وأهلَهُ"، فلا جَرَمَ أَنَّ"تَقاسَموا باللهِ ..."قولٌ مَحْكِيٌّ تَوَجَّهَ بِهِ الكافرونَ بعضُهُم إلى بعض، بدليلِ النونِ الأولى في (لَنُبَيِّتَنَّهُ) ، وهي نون جماعةِ المتكلِّمين. وينبني عليهِ أَنْ يَكونَ الفعلُ (تَقاسَموا) فعلَ أمرٍ وَجَّهَهُ بعضُهُم إلى بعض، أي: احلفوا باللهِ. وإنْ عَدَدتَهُ فعلًا ماضِيًا فهو على معنى الحال، كأَنَّهُ -عَزَّ شأْنُهُ- قالَ: قالوا وقد تَقاسَموا باللهِ، أو قالوا مُتَقاسِمينَ باللهِ [3] . أَمّا القولُ الثاني المَحكيُّ في الآيةِ عَيْنِها، فهو المَدروسُ سابِقًا في:"ثُمَّ لَنَقولَنَّ لوليِّهِ: ما شهِدْنا مَهلِكَ أهلِهِ وإنّا لَصادِقونَ".

والحقّ أَنَّني أَجِدُ لهذهِ الظاهرةِ، ظاهرةِ تَجَنُّبِ وقوعِ التكرارِ اللفظيِّ الثقيلِ المُنَفِّرِ الواقِعِ في كلمتينِ منفصلتينِ، نظيرَيْنِ آخَرَيْنِ في الذِّكرِ الحكيمِ. الأوَّلُ أَبانَ عنهُ العَلامةُ ابنُ هشامٍ، حينَ تناوَلَ -في معرِضِ حديثِهِ على (إِنْ) الخفيفةِ المَكسورةِ- الآيةَ: {ولقد مَكَّنّاهُم فيما إِنْ مَكَّنّاكُم فيه وَجَعَلْنا لهُمْ سَمْعًا وأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ ولا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ} [4] . حيثُ وَجَدْناهُ راغِبًا في الرأيِ الذي يَعُدُّ (إِنْ) نافيةً في:"ولقد"

(1) انظر لمزيد من التّفصيل حول كراهة توالي الأمثال في أبنية العربيَّة: رمضان عبد التَّوّاب، بحوث ومقالات في اللغة، ط 3، مكتبة الخانجي - القاهرة، 1415 هـ - 1995: 27 - 56.

(2) أبو حيّان الأندلسيّ، محمَّد بن يوسف (ت 754 هـ) ، تفسير البحر المحيط، وبِهامشه: تفسير النَّهر المادّ مِنَ البحر لأبي حيّان نفسه، وكتاب الدّرّ اللقيط لِتاج الدّين الحنفيّ النَّحويّ، ط 2، دار الفكر للطِّباعة والنَّشر والتَّوزيع، 1403 هـ - 1983 م، ج 7، ص 84. و: الألوسيّ، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسَّبع المَثاني، ج 19، ص 213.

(3) القُرْطُبِيّ، أبو عبد الله محمَّد بن أحمد (ت 671 هـ) ، الجامِع لأَحْكامِ القُرْآن (مُصَوَّرَة عَن طَبْعَةِ دارِ الكُتُب) ، دار الكاتِب العَرَبِيّ للطِّباعَةِ - القاهِرَة، 1387 هـ - 1967 م، ج 13، ص 216.

(4) الأحقاف 46: 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت