عقلا أن يُلم أي إنسان بكل لغة قومه ومفرداتها وتشعباتها، ولكنه يستطيع أن يعرف لسان قومه جيدا، ونضيف كذلك
أن الأنبياء كانوا واعين بتعدد اللهجات للسان الواحد، كما كان الحال مع النبي صلى الله عليه وسلم من معرفته بلهجات العرب، مع ملاحظة مهمة جدا، وهي أن القرآن أشار باستخدام لفظ اللسان:"بلسان قومه"إلى الوحي؛ ففي الآية إلماح ضمني رائع إلى أن الوحي لم يكن مكتوبا فقط، بل إنه منطوق كذلك؛ فالآية تتغيا الإشارة الخاصة إلى اللغة المنطوقة إضافة إلى اللغة المكتوبة كذلك؛ لاحظ قوله تعالى في سورة القيامة:"لا تحرك به لسانك لتعجلَ به"؛ إشارة إلى القرآن الكريم حال الوحي. ومن الظاهر لنا كذلك معرفة كل فرد بلهجة جماعته الخاصة في المحيط الاجتماعي؛ فالمصري يعرف لسان المصريين جيدا ويتقنه، والشامي كذلك ... إلخ، ويستطيع العرب أن يفهموا لهجات بعضهم بشيء من السماع والدُّربة؛ فإطلاق (اللسان) يشمل اللهجة ويشمل اللغة، و (اللغة) أيضا تشمل اللسان واللهجة في هذه الاستعمالات.
اللغة بين البشر واحدة أما الألسنة فهي التي تختلف، ولنضرب مثالًا علي ذلك: حينما أقوم بالتعبير
عن رغبتي في الأكل، فأنا أقول باللغة العربية: (أنا أريد أن آكل) ، أما باللغة الإنجليزية فسوف أقول I want to eat؛ فالمعني واحد في كلا الجملتين، وهو الإعلان عن رغبتي في تناول الطعام، ولكنني عبرت عن نفس المعني (اللغة) بلسانين مختلفين. فاللسان الواحد هو الكلام مطلقا؛ هو وعاء يحوي مجموعة من اللغات المتقاربة المتجانسة المتعارَفة (الشعوب والقبائل) ، وهو طريقة الإنسان في الكلام وترجمة الدلالات والمعاني المُخزنة لديه إلى نطق باللسان وإخراج للأصوات والحروف والحركات والسكنات، وهو مجموعة العناصر المميزة المشتركة بين مجموعة متقاربة متجانسة من اللغات (العائلة اللغوية الواحدة (. إن اللغة فكرة مجردة تعبر عنها الألسنة المختلفة، تماما مثل فكرة الحياة والموت التي تتبدى أمامنا في ظواهر الانتقال إلى العالم الآخر، وميلاد الأطفال.
وقد أورد"جوزيف كورتيس"تفريقا له اعتباره بين اللغة واللسان في كتابه:"التحليل السيميائي للخطاب .. من الملفوظ إلى التلفظ"؛ يقول:"ولنقارن -على سبيل المثال- بين النماذج التالية: نعرف جيدا أنه بإمكاننا أن نصف كُلا من اللغة واللسان بالصفتين: شعبية (populaire) ومنطوقة (parle(e ) ) ، وفي مقابل ذلك، لا يمكننا أن نقول لسان حي، بينما يمكننا أن نقول لغة حيّة، لهذا نجد أن للغة فلسفةً خاصة لا يتوفر عليها اللسان، تماما مثل ما هو الحال بالنسبة للإعلام الآلي الذي لا يحتاج إلى كلمة"لسان"، بل يستعمل"معلومات