وفي تفسير الطبري في مواضع متفرقة لتفسير هذه الآيات: (لغات أحياء من قبائل العرب مختلفة الألسن) وفيه أيضا: (لا تدافع بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب وألسنها (. و: (فنقول الآن .... بأي ألسن العرب أُنزل: أبألسن جميعها أم بألسن بعضها؟ إذ كانت العرب، وإن جمع جميعها اسم أنهم عرب، فهم مختلفو الألسن بالبيان (. و: (صح وثبت أن الذي نزل به القرآن من ألسن العرب البعض منها دون الجميع؛ إذ كان معلوما أن ألسنتها ولغاتها أكثر من سبعة (.
أما عن قوله تعالى:"... لسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ"؛ فيستحيل عقلا أن يكون القرآن الذي هو كلام الخالق سبحانه قد استخدم لفظ اللسان وأعرض عن اللغة، وهما مستويان
في الدلالة؛ فالقرآن إذن نزل بالأفصح والأشهر.
• إن النظر العقلي في المسألة قد يقرب بين الآراء؛ فسبب تعدد الألسنة قائم على أمرين:
أحدهما (الطبيعة البشرية) وقدرات البشر الفردية التي تختلف من شخص إلى آخر، مما أدى
إلي تحريف لسان آدم (عليه السلام) ، والآخر (الحاجة) ؛ فمع انتقال البشر شرقا وغربا وتنوع تخصصاتهم وخبراتهم التي زادت بوجود أشياء في الطبيعة لم تكن في بيئة آدم (عليه السلام) ، ظهرت الحاجة لإعطاء مسميات لأشياء جديدة، وما دامت لم تتغير قواعد اللغة الأم يبقى الاختلاف في الألسنة البشرية، فإذا زاد الاختلاف بشكل كبير يكون الاضطرار إلى ابتداع قواعدَ جديدةٍ تحكُم كلماتِ هذا اللسان وعباراتِه وجُملَه؛ ليتحول اللسان إلي لغة جديدة، لها قواعدها الخاصة، ومع تعدد اللغات الجديدة تشيخ اللغة القديمة وتنتهي وتُنسَى، وهي سنة الله في هذه الحياة، ثم يسري على اللغة الجديدة ما جرى على القديمة من تعدد للألسنة واختلاف للمسميات، ثم ظهور لغات أخرى، وهكذا دورة بعد دورة. فاللغة، أي لغة، لها قواعدها الخاصة، وهي قواعد واحدة رغم تعدد الألسنة داخل اللغة؛ فمثلا اللغة العربية تختلف نطقا وتحاورا بين الناطقين بها من الشوام والناطقين بها من أهل الجزيرة، وكلاهما يختلفان عن الناطقين بها من أهل مصر، وهكذا حتى في البلد الواحد، وهذا ما أدى إلى ظهور علم اللهجات في اللسانيات الحديثة؛ فاللهجة جزء من اللغة، إذا تشعبت وتغيرت كثيرا أصبحت لغة مستقلة. ولو قال القرآن:"بلغة قومه"لما انضبط الكلام، لأنه يستحيل