الصفحة 2 من 31

أول ما قد يتبادر إلى الذهن عند الإقبال على دراسة التحليل البلاغي للصوت في القرآن الكريم هو السؤال عن السبب الذي من أجله صعُب الطريق، وعن الكيفية التي يحسن بها معالجة مثل هذا الموضوع؟

لعل الذي أسس لتلك الصعوبة هو نقص المرجعية الدلالية للأصوات؛ من جهة المعجم اللغوي الصوتي، أو من جهة العرف بين المتكلمين _ وكلاهما مرتبط بالآخر؛ فليس لدارس الصوت معجمٌ لغوي لمعاني الأصوات يبني عليه أحكامه، كما هو الحال في معاجم المفردات (الكلمات) ، كما أنه ليس للصوت في نطاق التداول معنىً في ذاته يمثل عرفًا عامًا، إذ الغالب عليه أن يأتي مصحوبًا بالتحيّزات النفسية والذهنية لمستعمله [1] ، وهذا ما يجعل الخوض في الحقل الصوتي ضربًا من المغامرة الخطرة، لا هادي فيها ولا دليل غير الرأي الذاتي، مما يجعلها عرضةً للاتهام بالخروج عن المنهج العلمي القائم على التعليل والتجريب، والذي تتصف نتائجه عادةً بقدر كبير من الثبات. ولعل هذه الأسباب هي التي جعلت جهود كثير من الدارسين في الحقل الصوتي تتصف بالتجاور لا بالتراصف والتركيب (إن صح التعبير) ، يكاد لا ينبني فيها رأي على آخر، تبدأ في معظمها من الصفر، من غير التفات _ ذي معنى وتأثير فاعل _ لجهد سابق. والسبب الرئيس في ذلك هو البعد الشخصي الذاتي للنتائج التي يخرج بها عادة دارسو هذا الحقل.

وهذا لا يعني أننا نشق طريقًا لم يُشق، أو نرود مساحات لم تطَأها قدم، فإنما نسير حيث سار الآخرون. والأمر بِرُمَّته ضربٌ من التوصيف بعيد عن أحكام القيمة، قد يصدق على دراستنا قبل أن يصدق على غيرها، وإنما نحاول وضع معالم للطريق، علّها توصل إلى خارطة واضحة له.

(1) أشار إلى شيء من ذلك كل من (بودوان دي كورتيني) و (إدوارد سابير) ، ينظر: التنغيم اللغوي في القرآن الكريم، سمير العزاوي، دار الضياء، عمّان، 2000 م، ص 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت