ولا شك أن تحكيم الشريعة انقياد وخضوع لدين الله تعالى، وإذا كان كذلك فإن عدم تحكيم هذه الشريعة كفر إباء ورد امتناع، وإن كان مصدقا بها، فالكفر لا يختص بالتكذيب فحسب كما زعمت المرجئة.
يقول ابن تيمية: (فمن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنا إيمانا ثابتا في قلبه، بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة، والصيام، والحج، ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح، ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع من السجود الكفار، كقوله تعالى: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون} [القلم: 42 - 43] ) [1] .
ويقول ابن عبد البر: (قد أجمع العلماء أن من دفع شيئا أنزله الله وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله؛ أنه كافر) [2] .
وفي ختام هذا المقال نشير إلى أن تحكيم الشريعة استجابة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ففيه الحياة والصلاح والخير، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} [الأنفال: 24] .
يقول الشيخ السعدي: (قوله {إذا دعاكم لما يحييكم} وصف ملازم، لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلوب والروح، بعبودية الله تعالى، ولزوم طاعته، وطاعة رسوله، على الدوام) [3] .
وإن رفض هذه الشريعة وعدم الاستجابة لها اتباع للهوى، فهو ضلال شنيع في الدنيا، وعذاب شديد في الأخرى، ويقول تعالى: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} [القصص: 50] ، ويقول سبحانه: {يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} .
ويقول عز وجل: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} [النساء: 14] .
(1) الفتاوى 7/ 611، وانظر كتاب الصلاة لابن القيم ص 54.
(2) التمهيد 4/ 226.
(3) تفسير السعدي 3/ 156.