وقد سبق أن أوردنا كلام محمد رشيد رضا حيث يقول عند قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون ... } [النساء: 60] : (والآية ناطقة بأن من صد وأعرض عن حكم الله ورسوله عمدا، ولا سيما بعد دعوته إليه وتذكيره به، فإنه يكون منافقا لا يعتد بما زعمه من الإيمان، وما يدعيه من الإسلام) [1] .
ويقول الشيخ السعدي في هذا الصدد: (الرد إلى الكتاب والسنة شرط في الإيمان. فدل ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت كما جاء في الآية: {ألم تر إلى الذين يزعمون ... الآية} ، فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه، في كل أمر من الأمور، فمن زعم أنه مؤمن، واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك ... ) [2] .
ومما كتبه الشيخ محمد بن إبراهيم في هذا المقام قوله: (إن قوله تعالى {يزعمون} تكذيب لهم فيما ادعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان في قلب عبد أصلا، بل أحدهما ينافي الآخر، والطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد، فكل من حكم بغير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه) [3] .
إضافة إلى ذلك فإن الإيمان قول وعمل، فهو يتضمن تصديقا وانقيادا، فكما يجب على الخلق أن يصدقوا الرسل عليهم السلام فيما أخبروا، فعليهم أن يطيعوهم فيما أمروا كما قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} [النساء: 64] .
ولذا يقول محمد بن نصر المروزي في تعريف الإيمان: (الإيمان بالله: أن توحده، وتصدق به بالقلب واللسان، وتخضع له، ولأمره، بإعطاء العزم للأداء لما أمره، مجانبا للاستنكاف، والاستكبار، والمعاندة، فإذا فعلت ذلك لزمت محابه، واجتنبت مساخطه ... ) ، إلى أن قال: (وإيمانك بمحمد صلى الله عليه وسلم إقرارك به، وتصديقك إياه، واتباعك ما جاء به، فإذا اتبعت ما جاء به، أديت الفرائض، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ووقفت عند الشبهات، وسارعت في الخيرات) [4] .
(1) تفسير المنار 5/ 277.
(2) تفسير السعدي 2/ 90، باختصار.
(3) رسالة تحكيم القوانين.
(4) تعظيم قدر الصلاة 1/ 392/393.