يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: (أي لكونه غير ما حكم الله به، وضاد الله في حكمه، وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم) [1] .
ولقد جاءت نصوص الوحيين محذرة من التحاكم إلى غير ما أنزل الله تعالى، فقال سبحانه: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون} [المائدة: 49] .
يقول إسماعيل إبراهيم الأزهري: (فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالحكم بين أهل الكتاب بما أنزل الله فيه، ونهاه عن اتباع أهوائهم لما فيه من مخالفة المنزل إليه، وحذره أن يفتنوه فيحولوا بينه وبين بعض ما أنزل عليه، وأعلمه أنهم إن تولوا عن الحكم الذي أنزله الله إليه فإنما يريد أن يصيبهم ويبتليهم بسبب بعض ذنوبهم. فعلم منه أن التولي عن حكم الله وحكم رسوله إلى حكم الأهواء سبب لإصابة الله بالمصائب) [2] .
ويحكي ابن القيم شيئا من عواقب تنحية حكم الله تعالى فقال: (لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليها، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان، وأقوال الشيوخ، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ومحق في عقولهم، وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى ربي فيها الصغير، وهرم عليها الكبير ... ) [3] .
وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يا معشر المهاجرين: خصال خمس إن ابتليتم بهن، ونزلن بكم - وذكر منها - وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم) [4] ، وفي رواية (وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر) [5] .
وفي هذا يقول ابن تيمية: (وإذا خرج ولاة الأمر عن هذا - حكم الكتاب والسنة - فقد حكموا بغير ما أنزل الله، ووقع بأسهم بينهم، قال صلى الله عليه وسلم:"ما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع بأسهم بينهم". وهذا من أعظم أسباب تغيير الدول كما قد جرى مثل هذا مرة بعد
(1) عمدة التفسير 3/ 125.
(2) تحذير أهل الإيمان عن الحكم بغير ما أنزل الرحمن ص40، وانظر ص 22.
(3) الفوائد ص 42 - 43.
(4) رواه البيهقي وصححه الألباني، انظر صحيح الترغيب والترهيب 1/ 321.
(5) رواه الطبراني في الكبير وحسنه الألباني، انظر صحيح الترغيب والترهيب 1/ 321.