مثال ذلك سب الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم، فبمجرد نطقه بسب الله تعالى أو رسوله فانه يكفر سواء كان مستحلا أم لم يستحل، أو كان قاصدا له ومستحلا له كفر، وهذا ما اجمع عليه المسلمون نقله اسحق بن راهويه:"قد اجمع العلماء على أن من سب الله عز وجل، أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئا أنزله الله، أو قتل نبيا من أنبياء الله، انه كافر بذلك وان كان مقرا بكل ما أنزله الله" [1] .
وقال القاضي أبو يعلى:"من سب الله أو رسوله فانه يكفر سواء استحل سبه أو لم يستحل" [2] وهذا بمجرد النطق فان الله عز وجل حكم على الذين استهزؤا بقراء النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد القول ولم يقبل اعتذارهم فقال (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) .
أما الفعل مثل ذلك ما هو سجود لغير الله أو إلقاء المصحف في الحش أو التردد على الكنائس في أعيادهم، ولهذه الفقرة انتشار في كتب الفقه في باب حكم المرتد.
وقوله (وان لم يقصد) فيه رد على المرجئة الذين يشترطون قصد الكفر. والقصد: بمعنى الإرادة الجازمة، ولقد اشترط المرجئة للحكم بالتكفير شرط قصد الكفر.
وهم لم يفرقوا بين قصد الفعل أو القول وبين قصد الكفر، فقصد الكفر هو الاستحلال القلبي، هذا شرط بدعي لا يشترطه إلا غلاة المرجئة، ولقد أثبت ابن تيمية رحمه الله هذه المسألة فقال:(وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كُفر كَفَرَ بذلك، وإن
لم يقصد أن يكون كافرا، إذ لا يقصد أحدا يكفر إلا ما شاء الله) [3] .
وأهل السنة يفرقون بين قصد الكفر وقصد الفعل فالقصد يأتي لعدة معان:
1)القصد بمعنى الإرادة الجازمة: ويسمى القصد إلى الفعل، ويسمى الباعث على الفعل، والقصد إليه، وإذا تعرى الفعل عن القصد بهذا المعنى فانه يدخل تحت (باب الخطأ) وصورته مثل رجل وقع منه المصحف وهو
لا يدري انه مصحف ففي هذه الصورة، انفكت الإرادة الجازمة.
2)القصد يطلق ويراد الاختيار والطواعية في إتيان الفعل المكفر ويقول الفقهاء فيه: (فمن أتى الكفر قاصدا طائعا مختارا) . وهذا النوع وفقدانه له اعتبار عند الشارع، وله صور، وتفصيلات واعتبارات تندرج تحت عارض الإكراه.
3)القصد بمعنى الاعتقاد والنية بمعنى أنه يأتي الفعل معتقدا انه كفر ناويا للوقوع في الكفر، والقصد بالمعنى الثالث هو الذي يعنينا أن نناقشه إذ أنه بالمعنيين الأول والثاني لم يخالف فيه أحد فيما نعلم من حيث اشتراطه بأكمله [4] .
وهذا المعنى الثالث هو الذي حصل فيه الخلاف من جهة المرجئة فهم يشترطون قصد الكفر نفسه وهو بمعنى الاستحلال.
(1) الصارم المسلول 4.
(2) المصدر السابق. 513.
(3) عارض الجهل لأبي العلا رشد (101 - 102) .
(4) عارض الجهل لأبي العلا رشد (101 - 102) .