وقد كان أيضا يغضب لقتل بعضهم قبيلته وناس آخرون ويكون ذلك سببا في الفتنة، واعتبر ذلك بما جرى في قصة عبد الله بن أبي لما عرض سعد بن معاذ بقتله خاصم له أناس صالحون وأخذتهم الحمية حتى سكنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لما استأذنه عمر في قتل ابن أبي، قال أصحابنا: ونحن الآن إذا خفنا مثل ذلك كففنا عن القتل.
فحاصله أن الحد لم يقم على واحد بعينه، لعدم ظهوره بالحجة الشرعية التي يعلمه بها العام والخاص، أو لعدم إمكان إقامته، إلا مع تنفير أقوام عن الدخول في الإسلام، وارتداد آخرين عنه، وإظهار قوم من الحرب والفتنة ما يربى فساده على فساد ترك قتل منافق، وهذان المعنيان حكمهما باق إلى يومنا هذا، إلا في شيء واحد وهو أنه صلى الله عليه وسلم ربما خاف أن يظن الظان أنه يقتل أصحابه لغرض آخر مثل أغراض الملوك، فهذ منتف اليوم.
والذي يبين حقيقة الجواب الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان بمكة مستضعفا هو وأصحابه عاجزين عن الجهاد أمرهم الله بكف أيديهم والصبر على أذى المشركين، فلما هاجروا إلى المدينة وصار له دار عز ومنعة أمرهم بالجهاد وبالكف عمن سالمهم وكف يده عنهم، لأنه لو أمرهم إذ ذلك بإقامة الحدود على كل كافر ومنافق لنفر عن الإسلام أكثر العرب إذ رأو أن بعض من دخل فيه يقتل، وفي مثل هذه الحال نزل قوله وتعالى: (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا) [الأحزاب48] . وهذه السورة نزلت بعد الخندق، فأمره الله في تلك الحال أن يترك أذى الكافرن والمنافقين له فلا يكافئهمم عليه لما يتولد في مكافآتهم من الفتنة، ولم يزل الأمر كذلك حتى فتحت مكة، ودخلت العرب في دين الله قاطبة، ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في غزو الروم، وأنزل الله سورة براءة، وكمل شرائع الدين من الجهاد والحج والأمر بالمعروف، فكان كمال الدين حين نزل قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) [المائدة3] قبل الوفاة بأقل من ثلاثة أشهر، ولما أنزل براءة أمره بنبذ العهود التي كانت للمشركين وقال فيها: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم) [التوبة73] وهذه الآية ناسخة لقوله: (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم) وذلك أنه لم يبقى حينئذ للمنافق من يعينه او يقيم عليه الحد، ولم يبقى حول المدينة من الكفار من يتحدث بأن محمدا يقتل أصحابه، فأمره الله بجهادهم والاغلاظ عليهم، وقد ذكر أهل العلم أن آية الأحزاب منسوخة بهذه الآية ونحوها، وقال في الأحزاب: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلًا * ملعونين أينما ثقفوا أُخذوا ... الآية) [الأحزاب60 - 61] فعلم أنهم كانوا يفعلون أشياء إذ ذاك لم ينتهوا عنها قتلوا عليها في المستقبل لما أعز الله دينه ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم فحيثما كان للمنافق ظهور يخاف من إقامة الحد عليه فتنة أكبر من بقائه عملنا بآية: (دع أذاهم) كما إنه حيث عجزنا عن قتال الكفار عملنا بآية الكف عنهم والصفح، وحيثما حصل القوة والعزة خوطبنا بقوله: (جاهد الكفار والمنافقين) .
فهذا يبين أن الإمساك عن قتل من أظهر نفاقه بكتاب الله على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إذ لا نسخ بعده، ولم ندع أن الحكم تغير بعده لتغيير المصلحة من غير وحي نزل، فإن هذا تصرف في الشريعة، وتحويل لها برأي، ودعوى أن الحكم المطلق كان لمعنى قد زال، وهو غير جائز، كما نسبوا إلى من قال: إن حكم المؤلفة انقطع ولم يأت على انقطاعه بكتاب ولا سنة سوى ادعاء تغيير المصلحة [1] .
قلت: والخوف من فتنة قتل المنافقين إنما يعود بعد الأمر بقتلهم وتغيير الحكم إلى عدم ثبوت موجب القتل، وهذا يقوله ابن تيمية نفسه كما في مجموع الفتاوى حيث يقول: والذين كان يعرفهم
(1) الصارم المسلول3/ 673 وما بعدها.