لو عاقب بعضهم لغضب له قومه ولقال الناس إن محمدا يقتل أصحابه، فكان يحصل بسبب ذلك نفور عن الإسلام، إذ لم يكن الذنب ظاهرا يشترك الناس في معرفته [1] .
وبهذا لا يجوز الإحتجاج بهذا اللفظ النبوي على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتل بعض أصحابه مع استحقاقهم القتل وثبوت التهمة عليهم ثم يقول: لا أقتلهم حتى لا يقال أني أقتل أصحابي، فإنه قد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل بعض الفضلاء من أصحابه كماعز والغامدية، وهم المقطوع لهم بالإيمان والجنة، بل رجمهما بالحجارة رضي الله عنهما، وبهذا يتبين أن الناس سيقولون أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه لما لا يكون حجة شرعية ظاهرة عليهم، وهذا مما يوجب اضطراب القلوب وتغيرها، ولذلك سيقولون: إن محمدا يقتل أصحابه.
ثم تأمل كلمة"أصحابه"هذه تنبيك بالجواب، فإن هؤلاء المنافقين عند بعض الصحابة وعند العرب هم من الصحابة، ولم تقم بينة أنهم من أعدائه بل من أشد أعدائه (هم العدو فاحذرهم) وهذا لإسرارهم وتخفيهم، وأما إذا أقيمت الحجة الشرعية عليهم بظهور نفاقهم فقد بان لكل مخالف أنهم من أعدائه وليسوا له بأصحاب كما قتل جماعة عكل وعرينة لما بان عدائهم، والله أعلم.
التحقيق في سبب ورود قوله تعالى: (ولئن سألتهم ليقولون إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين) [التوبة65 - 66] .
ورد مرفوعا [2] في سبب نزول هاتين الآيتين ما يلي:-
قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يوما: ما رأيت مثل قرا ئنا ّهؤلاء، لا أرغب بطونا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن، قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أبالله واياته ورسوله كنتم تستهزؤون.
قلت: سنده صحيح ومن طريق هشام بن سعد رواه الطبري في تفسيره.
(1) مجموع الفتاوى7/ 422 - 423.
انظر قول الشاطبي رحمه الله في الموافقات (2/ 271 وما بعدها) وتأمل بتعجب مطرب كيف تتوافق أقوال الأئمة بمعانيها لتفهم كيف تكون هداية الكتاب والسنة لمن صدر عنهما، وابن تيمية رحمه الله مشرقي شامي، والشاطبي رحمه الله مغربي أندلسي، وابن تيمية توفي سنة728 هجرية والشاطبي790 هجرية، فلم يأخذ أحدهما من الآخر ولكنها الهداية واتفاق المصدر، رحم الله أئمتنا وألحقنا بهم على خير وهداية.
(2) قلت مرفوعا: لأن سبب النزول إذا ورد من قول الصحابي فإنه في حكم المرفوع كما قاله جمع من الأئمة منهم البخاري وأبو عبد الله الحاكم ونصره ابن تيمية في رسالته مقدمة في التفسير.