الصفحة 29 من 35

كثيرا منهم بالشواهد والدلالات والقرائن والأمارات، ومنهم من لم يكن يعرف كما قال تعالى: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) [التوبة101] ثم جميع هؤلاء المنافقين يظهرون الإسلام، ويحلفون أنهم مسلمون.

وقد اتخذوا أيمانهم جنة وإذا كانت هذه حالهم فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقيم الحدود بعلمه ولا بخبر الواحد ولا بمجرد الوحي، ولا بالدلائل والشواهد حتى يثبت الموجب للحد ببينة أو أقرار، ألا ترى كيف أخبر عن المرأة الملاعنة أنها إن جاءت بالولد على نعت كذا وكذا فهو للذي رميت به، وجاءت على النعت المكروه.

فقال:"لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" [رواه البخاري] *.

وكان بالمدينة امرأة تعلن الشر، فقال:"لو كنت راجما أحدا من غير بينة لرجمتها" [متفق عليه] .

وقال للذين اختصموا إليه:"إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" [رواه الستة ومالك وأحمد] . فكان ترك قتلهم مع كونهم كفارا لعدم ظهور الكفر منهم بحجة شرعية.

ويدل على هذا أنه لم يستتبهم على التعيين، ومن المعلوم أن أحسن حال من ثبت نفاقه وزندقته أن يستتاب كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل، ولم يبلغنا أنه استتاب واحدا بعينه منهم، فعلم أن الكفر والردة لم تثبت على واحد بعينه ثبوتا يوجب أن يقتل كالمرتد، ولهذا كان يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، فإذا كانت هذه حال من ظهر نفاقه بغير البينة الشرعية فكيف حال من لم يظهر نفاقه؟ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم" [متفق عليه] .

لما استؤذن في قتل ذي الخويصرة، ولما استؤذن في قتل رجل من المنافقين قال:"أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟"قيل: بلا، قال:"أليس يصلي؟"قيلل: بلا، قال:"أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم" [رواه الإمام مالك وأحمد] ، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه نهي عن قتل من أظهر الإسلام من الشهادتين والصلاة وإن زُنّ (أي اتهم) بالنفاق ورمي به وظهرت عليه دلالته - إذا لم يثبت بحجة شرعية أنه أظهر الكفر وكذلك قوله في الحديث الآخر:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" [رواه الستة ورواه الإمام أحمد] . معناه أني أمرت أن أقبل منهم ظاهر الإسلام، وأكل بواطنهم إلى الله، والزنديق والمنافق إنما يقتل إذا تكلم بكلمة الكفر وقامت عليه بذلك البينة، وهذا حكم بالظاهر، لا بالباطن، وبهذا الجواب يظهر فقه المسألة.

الوجه الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم كان يخاف أن يتولد من قتلهم من الفساد أكثر مما في استبقائهم، وقد بين ذلك حيث قال:"لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"وقال:"إذا ترعد له آنف كثيرة بيثرب"، فإنه لو قتلهم بما يعلمه من كفر لأوشك أن يظن الظان أنه إنما قتلهم لأغراض وأحقاد وإنما قصده الإستعانة بهم على الملك، كما قال:"أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم"، وأن يخاف من يريد الدخول في الإسلام أن يقتل مع إظهاره الإسلام كما قتل غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت