الصفحة 26 من 35

إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه.

والكسع هو أن تضرب بيدك على دبر شيء أو برجلك.

وسمى ابن اسحق هذه الغزوة غزوة بني المصطلق وكذا وقع عند الإسماعيلي [1] .

وقد وهم البعض حين قال: إن هذه القصة كانت بتبوك.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: فيه نظر، بل ليس بحق، فإن عبد الله بن أبي بن سلول لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك. بل رجع بطائفة من الجيش، وإنما المشهور عند أصحاب المغازي والسير أن ذلك كان في غزوة المريسيع وهى غزوة بني المصطلق [2] .

ولتكتمل الصورة فإننا سنذكر كيف سمّعها الله رسوله صلى الله عليه وسلم، أي كلمة عبد الله ابن أبي سلول إذ بها تتم الحجة:-

فقد روى البخاري و مسلم من حديث زيد بن أرقم قال: كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن أبي بن سلول يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي فذكره عمي للنبي صلى الله عليه وسلم، فدعاني، فحدثته، فأرسل إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني، فأصابني غم لم يصبني مثله قط، فجلست في بيتي، وقال عمي، ما أردت إلا أن كذبك النبي صلى الله عليه وسلم؟! فأنزل الله تعالى: (إذا جاءك المنافقمن قالوا نشهد إنك لرسول الله) وأرسل إليّ النبي صلى الله عليه وسلم فقرأها وقال: إن الله قد صدقك. أ. هـ.

فقد ثبت قوله المنكر بشهادة رجل واحد وهو زيد بن أرقم رضي الله عنه، وبالوحي، وشهادة الواحد لا تقام بها الحدود، وقد تقدم القول بالوحي.

قال ابن تيمية: لم يقم النبي صلى الله عليه وسلم الحد على ابن سلول في هذه القصة حتى لا يقال: إن محمدا يقتل أصحابه، لأن النفاق لم يثبت بالبينة، وقد حلف أنه ما قال، وإنما علم بالوحي وخبر زيد بن أرقم. وهذا يوجب فتنة بقتله وغضب أقوام يخاف افتتانهم بقتله [3] .

يقول الشاطبي رحمه الله في الموافقات: فإن سيد البشر صلى الله عليه وسلم مع إعلامه بالوحي، يجري الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه [4] .

ثم هناك وجه آخر غير ما قاله الإمام وهو أن لفظ عدو الله ابن سلول يستطيع أن يماري فيه ويحمله الكثير من المعاني التي يبعد بها الشبهة عن نفسه، هذا والله أعلم.

(1) فتح الباري8/ 649.

(2) التفسير 8/ 127، وانظر فتح الباري 8/ 650.

(3) الصارم المسلول3/ 671.

(4) الموافقات2/ 271.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت