وهذا القسم يدخل فيه ما ورد من أحاديث بعدم إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم حد الردة على المنافقين، وبشيء من التفصيل الممكن نأتي في هذه الورقات على كبار الأحداث التى ظهر من المنافقين بعض أقوالهم وأعمالهم ولم تصل إلى درجة البينات التي تقام بها الأحكام ومنها حد الردة:-
تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم"معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي":
بعض من يحتج بعدم إقامت الحدود على المنافقين دون أن ينظر إلى التفريق المتقدم في أحوال المنافقين كما تبين من وجود منافقين لا يثبتون على نفاقهم وهم الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاة العائرة بين الغنمين، ومن وجود أعمال وأقوال لا تصل إلى درجة إقامة الحدود، أو معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحي، وهو طريق لا تقام به الحدود كما هو الصحيح من أقوال العلماء.
قلت: إن بعضهم يحتج بهذا اللفظ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي"، وهو يرتب قوله بالطريقة التالية: إن هؤلاء المنافقين ثبت في حقهم حد الردة وانكشف نفاقهم ثم لم يقمه عليهم حتى لا يتحدث الناس أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه.
وحتى نفهم هذا القول فسنحققه حتى نتبين حقيقته.
ورد هذا القول في موطنين:
الأول: في منصرفه صلى الله عليه وسلم من حنين.
الثاني: في منقلبه صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق.
شرح ذلك:
الأول:
روى مسلم في صحيحه [1] عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة، منصرفه من حنين، وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض فيها، ويعطي الناس، فقال: يا محمد!! اعدل. قال: ويلك! ومن يعدل إذا لم اكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال: عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق. فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي. إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية.
قوله صلى الله عليه وسلم:"لقد خبت وخسرت"جزم ابن تيمية في الصارم المسلول أنهم بالفتح [2] وجوز القاضي عياض الوجهين: الفتح والرفع.
فهذا الحديث في صفات الخوارج، وسمى عمربن الخطاب رضي الله عنه القائل منافقا، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على تسميته ونهاه عن قتله لا لعصمة نفسه بل لئلا يتحدث الناس أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، وهو
(1) ح1063.
(2) الصارم المسلول2/ 351.