ويشهد لهذا -وهو أن المنافقين كانوا يسرون نفاقهم زمن النبي صلى الله عليه وسلم- حديث حذيفة رضي الله عنه: المنافقون الذين فيكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو وائل: قلنا: لم ذاك يا أبا عبد الله؟ قال: لأن أولئك كانوا يسرون نفاقهم، وإن هؤلاء أعلنوه [1] .
وفي هذا كفاية في الإستدلال لهذا الباب ولم نرد الإستقصاء.
ثم إن الكثير من الآيات والأحاديث التي فيها أحكام المنافقين لا يمكن فهمها إلا بهذا الوجه، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم أعيانهم عن طريق الوحي أو عن طريق المخايلة التي لا تصل إلى القطع بقيام الحجة مثل ترك الإستغفار لهم والصلاة عليهم وعدم اتخاذهم بطانة، وغير ذلك من الأحكام، وهذه الأحكام مازالت قائمة في حق المنافقين الذين يعرفون عن طريق اللحن الذي لا يصل إلى الحجة التي تقام بها الحدود والأحكام كما سيأتي، ثم إن أمر الوحي قد انقطع وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وابن حزم رحمه الله تعالى يوجب علينا بنص كلامه أن نعتقد أن عبد الله بن أبي بن سلول هو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلينا أن نستغفر له ونعتقد صحة إيمانه!
ويقول ابن حزم رحمه الله تعالى في هذا: إن عبد الله بن أبي من جملت أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بظاهر إسلامه وأنه من جملة الصحابة المسلمين الذين لهم حكم الإسلام والذين حرم الله تعالى دماءهم إلا بحقها [2] .
وهذا من أبطل الباطل وأشد الغلط، وهو مما يعرفه الناس والعامة وتكلف الرد عليه نطاح من غير فائدة.
القسم الثالث: معرفة المنافقين عن طريق لحن القول:-
قال تعالى: (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم * ولو نشاء لأريناكهم فلتعرفهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم * ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) [محمد29-31] .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: لو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم فعرفتهم عيانا، ولكن لم يفعل تعالى ذلك في جميع المنافقين سترا منه على خلقه وحملا للأمور على ظاهر السلامة ورد السرائر الى عالمها، (ولتعرفنهم في لحن القول) أي فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم، يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول [3] .
وأما صفاتهم وأخبارهم فقد تكفلت سورة براءة بفضحها حتى سميت بالفاضحة والمنقرة والمشقشقة، لتنقيرها على قلوب المنافقين والشقشقة عنها.
(1) رواه البخاري13/ 69 فتح الباري.
(2) المحلى11/ 217.
(3) التفسير7/ 321.