ومن الأدلة كذلك ما رواه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة [1] من حديث أبي الدرداء قوله عن حذيفة رضي الله عنهما: أوليس فيكم صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يعلم أحد غيره؟
وهذا السر هو ما جاء مفسرا في حديث آخر رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث عمار قال: لكن حذيفة أخبرني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: في أصحابي اثنا عشر منافقًا، منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط.
ورواه باطول منه من حديث عمار ايضا قال: حدثني حذيفة انه قال: إن في أمتي اثنى عشر منافقا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيهم الدّبيلة، شراج من نار تظهر بين أكتافهم حتى تنجم من صدورهم [2] .
ومما يشهد كذلك أن حذيفة رضي الله عنه كان يعلم أسماء المنافقين بإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم له ما ورد في الحديث الصحيح من سؤال عمر رضي الله عنه لحذيفة عن نفسه:-
فقد قال وكيع بن الجراح في كتاب الزهد [3] حدثنا ابن أبي خالد قال سمعت زيد بن وهب الجهني عن حذيفة قال: مر بي عمر بن الخطاب وأنا جالس في المسجد، فقال لي: يا حذيفة، إن فلانا قد مات، فاشهد. قال: ثم مضى حتى إذا كاد يخرج من المسجد، التفت إليّ، فرآني وأنا جالس فعرف، فرجع إلي، فقال: يا حذيفة أنشدك بالله: أمن القوم أنا؟ قال: قلت اللهم لا، ولن أبرئ أحدا بعدك، قال فرأيت عيني عمر جادتا [4] .
قال محقق الكتاب عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي: رجاله ثقات وإسناده صحيح.
قلت: وهو كما قال، بل وعلى شرط الصحيح، وابن أبي خالد هو إسماعيل، وقد رواه الفسوي في"المعرفة والتاريخ"من طريق الأعمش عن زيد بن وهب عنه به بمعناه، ثم قال الفسوي: وهذا المحال وأخاف أن يكون كذبا ... ولكن حديث زيد به خلل كبير [5] .
قال الذهبي: زيد بن وهب متفق على الإحتجاج به ... فهذا الذي استنكره الفسوي من حديثه ما سبق إليه، ولو فتحنا هذه الوساوس علينا لرددنا كثيرا من السنن الثابتة بالوهم الفاسد [6] .
(1) فتح الباري7/ 90.
(2) ح9 و10 من كتاب صفات المنافقين وأحكامهم.
(3) ح477.
(4) في تخريجي لهذا الحديث في طريق الهجرتين لابن القيم بينت عدم عثوري عى هذا الحديث مسندا مع تنقيبي الشديد عنه (ص433) ، فها هو الآن مخرج والحمد لله رب العالمين، وقد ضعفه ابن حزم في المحلى بغير حجة (11/ 225) ، وقال: هذا باطل ومن الكذب المحض ... وقال (221 - 222) أنه غير مسند، والجواب عليه كما ترى.
(5) المعرفة والتاريخ2/ 769.
(6) ميزان الإعتدال2/ 107.