قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر في خطبته ما شاء الله تعالى، ثم قال: إن منكم منافقين فمن سميت فليقم، ثم قال: قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان، حتى عدّ ستة وثلاثين، ثم قال: إن منكم وإن فيكم فسلوا الله العافية، فمر عمر برجل مقنع وكان بينه وبينه معرفة، قال: ما شأنك؟ فأخبره بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر: تبا لك سائر اليوم.
ولكن ابن حزم ضعفه [1] بقوله: وأما حديث ابن مسعود فإنه لا يصح فإنا قد رويناه من طريق قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير بن حرب حدثنا أبو نعيم عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن رجل عن أبيه عن ابن مسعود فذكر الحديث، وقال سفيان عن هذا الرجل الذي لم يسم عن أبيه: أراه عياض بن عياض، فقد أخبر أبو نعيم عن سفيان أنه مشكوك فيه.
قلت: هذا الحديث رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في المسند [2] من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري (وليس ابن مسعود) [3] وهو في المسند بالجزم من طريق وكيع حدثنا سفيان عنه به.
ورواه البخاري في التاريخ الكبير [4] وهو بالجزم كذلك من طريق موسى بن مسعود وقبيصة.
قال ابن حجر: ثم أخرجه أحمد عن موسى بن مسعود عن سفيان ولم يشك وعن قبيصة عن سفيان [5] .
قلت: لم أجده في المسند إلا في رواية أبي نعيم بالشك ومن رواية وكيع بالجزم، والذي ذكره الحافظ هو في التاريخ كما تقدم.
وأما عياض بن عياض فهو أبو قيلة الكوفي، وثقه ابن حبان وتوثيقه لا يرفع جهالته [6] .
ثم لو صح الحديث -وأنى له ذلك- فإن الآية تبين وجود بعض المنافقين الذين لا يعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم في المدينة، وبعضهم حولها، وليس كل من شهد بالإسلام كان يشهد الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبقى يقينًا وجود منافقين لم يعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونحن ها هنا نرد على التفسير المنسوب لابن عباس في قوله تعالى: (سنعذبهم مرتين) وأن العذاب الأول هو تعريف النبي صلى الله عليه وسلم بهم ثم قيامه صلى الله عليه وسلم بفضحهم.
والصحيح أن العذاب الأول (الفضح) هو غير ما ذكره وإنما هو عذاب في الدنيا وهو القتل والسباء [7] وعذاب في القبر، ثم (يردون إلى عذاب عظيم) وهو عذاب الآخرة، هذا القسم الأول والله أعلم.
(1) السابق ص224.
(2) المسند5/ 273.
(3) وكذلك وقع الخطأ في التاريخ الكبير للبخاري4/ 1/22.
(4) التاريخ الكبير4/ 1/22.
(5) تعجيل المنفعة ص326.
(6) الثقات لابن حبان5/ 267، وقال الهيثمي في المجمع: لم أجد من ترجمه.
(7) انظر ابن كثير4/ 205.