وقد حاول بعض الشيعة المعاصرين وهو المرتضى العسكري في كتاب له سماه"عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى" [1] أن ينفي وجود هذه الشخصية، وذلك بتعليق جميع الروايات الواردة في حق عبد الله بن سبأ اليهودي على راو ضعيف وهو سيف بن عمر الضبي التميمي، وقد استخدم منهج أهل السنة في تضعيف سيف بن عمرو من أجل عقيدته، والرد على مرتضى العسكري له ذيول مطولة ولكني سأكتفي هنا بذكر رواية واحدة لا مطعن فيها من جهة سندها لإثبات وجود عبد الله بن سبأ اليهودي، وهي رواية صحيحة على منهج المحدثين الصارم، فكيف على منهج المؤرخين المتسمحين في هذا الباب، وليست هي من طريق سيف هذا.
قال أبو طاهر الذهلي: حدثنا محمد بن عباد قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا عبد الجبار بن العباس الهمداني عن سلمة بن كهيل عن حجية عدي الكندي قال: رأيت عليا عليه السلام وهو على المنبر وهو يقول: من يعذرني في هذا الحميت [2] الأسود الذي يكذب على الله عز وجل وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم -يعني ابن السوداء- لولا أنه لايزال تخرج عليّ عصابة تنعي عليّ دمه، كما ادعيت عليّ دماء أهل النهر، لجعلت منهم ركاما [3] .
مهدي الشيعة المختفي في سرداب في سامراء:
الشيعة الإثنى عشرية (تمييزا لهم عن الشيعة الزيدية وعن الشيعة الإسماعيلية السبعية) يقولون أن الإمامة هي ركن الإسلام العظيم، وأن الإمامة ثبتت بالنص في علي وبنيه رضي الله عنهم إلى اثني عشر إماما هم: علي بن أبي طالب والحسن والحسين (ابناه) ثم في ولد الحسين البكر [4] وهو علي السجاد (زين العابدين) ثم ولده البكر محمد الباقر ثم ولده جعفر الصادق ثم ولده الكاظم ثم ولده علي الرضي ثم ولده محمد الجواد ثم ولده علي الهادي ثم ولده الحسن العسكري ثم آخرهم وهو المهدي المنتظر محمد بن الحسن العسكري ...
ومحمد المهدي هذا يقولون أنه ولد سنة255هجرية، وبسبب خوف أهله عليه من حكام زمانهم ذهب وتخفى في سرداب في مدينة سامراء (مدينة العسكر) وهو صغير، فكانت غيبته الصغرى التي كان من خلالها يرسل إرشاداته وأوامره ونواهيه إلى أتباعه عن طريق رسل، ثم انقطعت آخر الرسل سنة329هجرية أي وعمر المهدي الشيعي74سنه هجريه، ثم بدأت الغيبة الكبرى، وهو مازال في سردابه إلى اليوم، ينتظر الشيعة خروجه ويدعون عند ذكره في احتفالاتهم أن يعجل الله فرجه، وقد ربطوا أعمال الإمامة العظمى به حتى يخرج، ابتداءا من صلاة الجماعة الى الجهاد وإقامة الحدود.
هذا هو معتقد أغلب الشيعة الاثني عشرية فيه وقد خالف في ذلك البعض قديما وحديثا، فممن رفض فكرة المهدي العسكري الشيعي عندهم من المعاصرين أحمد الكاتب الذي بين من خلال نشريته الشورى الصادرة في لندن أن الحسن العسكري مات ولم يعقب، وأن المهدي لم يولد قط وأن اعتقاد الشيعة بوجود هذا الإمام مبناه
(1) طبع في مجلدين ووزع في مناطق متعددة مجانا وزعم سامي البدري من قم في كتابه"شبهات وردود"أن هناك أجزاء أخرى عند المؤلف (ص13 - 14) وقد ردد هذه دعوى (عدم وجود ابن السوداء) الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء الشيعي الإمامي (متوفى سنة 1373 هجرية) في كتابه"أصل الشيعة وأصولها"ص179 وما بعدها.
(2) الحميت: المتين.
(3) حديث رواه الدارقطني، انتقاه من حديث أبي الطاهر محمد الذهلي القاضي رقم157.
(4) موضوع انتقال الإمامة في البكورة من الذكور عند الشيعة الاثنى عشرية الروافض له اتصال بعقائد اليهود، فقارئ التوراة يجد بوضوح تنازع الأنبياء وحسدهم لبعضهم بعضا في سرقة البكورة، وكأن في البكورة سرا ونورا في انتقالهما من الأب لأبنه، وقد تحطمت البكورة في الأئمة عند الاثني عشرية في موطنين، الأول: انتقالها من الحسن لأخيه الحسين وليس لابنه، والثانية: انتقالها من جعفر إلى ابنه موسى الكاظم وليس لابنه الأكبر إسماعيل، وهو الذي سبب انشقاق السبعية الإسماعيلية عنهم، وللروافض تأويل طريف في الموطنين، ودليلهم أن الإمام هو الأبن البكر هو ما رواه الكليني عن علي بن موسى أنه قال: للإمام علامات منها أن يكون أكبر ولد أبيه. (الأصول من الكافي1/ 284، باب الأمور التي توجب حجة الإمام عليه السلام) .