الطوائف المفارقة لأهل السنة والجماعة تعتمد في وجودها وحركتها على النبوءات الدينية في كتبها، ولعله يجب علينا أن نذكر ولا ننسى إيمان الدروز [1] في وقت من الأوقات أن جمال عبد الناصر هو الحاكم بأمر الله الفاطمي، فالدروز يعتقدون أن الله جل وعلا في أدوار زمنية معينة ينزل عن عرشه ويظهر بصورة إنسان (يتأنس) ، وقد كان كمال جنبلاط الدرزي [2] ممن يعتقدون في عبد الناصر ذلك، وقارئ مقدمة كتاب"جمال عبد الناصر= من حصار الفالوجة إلى الإستقالة المستحيلة"يستطيع أن يلمح هذه العقيدة في طيات كلامه، وللذكر فإن جنبلاط هو الذي أعطى للعقيدة الدرزية فعاليتها والكثير من تفسيراتها، حيث ربطها بعقائد الهنود وأديان الشرق ومذاهب الإشراق الغنوصية، وهو بنفسه الذي كتب"المصحف المنفرد"والذي كان يعتقد الدروز وجوده مع عدم إطلاعهم عليه على مدار تاريخهم، حتى أظهره جنبلاط من كتابته هو بعد تتريبه. والدروز بسبب اعتقاد عندهم يدخلون في خدمة الدولة اليهودية ضد المسلمين هناك، فإن من مبادئ دينهم هو خدمة الظاهر والتذلل له وإظهار موافقته.
أما النصيريون فما تسليمهم الجولان في سوريا لليهود إلا بناء على نبوءة في كتبهم، فقد كان وزير الدفاع في تلك الفترة إبان حرب 1967م النصيري حافظ الأسد، وقد ذكر ذلك رئيس وزراء الأردن يومها سعد جمعة [3] .
واستغلال السياسيين للنبوءات الكاذبة عند العامة من جهلة المسلمين وغيرهم أمر معروف ومنتشر في مجتمعاتنا بحجم كبير، ففي حرب الخليج انتشر بين الناس في العالم العربي حديث (صادم) ، وهو الشخص الذي سيقضي على أعداء الأمة، وقد وزعت في الأردن منشورات جاء فيها أن في كتاب الجفر للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه حديث:"يجتمع بنو الأصفر والفرنجة ومصر في البيداء على رجل يسمى صادم، ولا يرجع منهم أحد. قيل: متى يا رسول الله؟ قال: بين جمادي ورجب وترون فيه العجب".
(1) هناك خلاف حول إسم الدرزية، فالأكثرون على أن انتسابهم إلى محمد بن اسماعيل الدرزي (نشتكين) ، وهو أحد الرجال الأوائل الذين دعوا إلى ألوهية الحاكم بأمر الله الفاطمي مع حمزة بن علي الزوزني، مع أن حمزة هذا قد كفر الدرزي بعد مخالفته في إظهار عقيدتهم وقد أمره بالإسرار، والحاكم هو الخليفة السادس في الدولة العبيدية تولى الخلافة وعمره11 سنة، وحكم مصر من 386 إلى 411هجرية، وهناك اتجاه إلى أن النسبة هي للجنرال دور الصليبي، الذي هزمه صلاح الدين سنة1190م ثم لجأ إلى وادي التيم (جبل الدروز) فحماه أهلها فنسبوا له، وجمع درو بالإفرنجي دروز، وهي من إطلاق خصومهم. (انظر كتاب عبد الله النجار -سفير لبنان- مدير معارف جبل الدروز سابقا) وهو أول كتاب يكشف شيئا من عقائد الدروز من رجل درزي، والكاتب لقى القتل جزاء عمله في أمريكا الجنوبية وذلك بعد تلقيه التهديدات من بني قومه الدروز، وقد استنفر كمال جنبلاط مثقفي الدروز للرد عليه فألفت عدة كتب منها كتاب سامي كرم"أضواء على مسائل التوحيد"وقد قدم له كمال جنبلاط بمقدمة تعادل نصف الكتاب، وكتاب"الدروز في التاريخ"للدكتورة نجلاء أبو عز الدين، وكان عجاج نويهض قد كلف بذلك ولكنه اعتذر عن الإستجابة ثم ألف كتابا لا قيمة له في تعريفنا بمذهب الدروز عنوانه"الأمير السيد"، وقد كان سبب تأليف النجار كتابه أن المغتربين الدروز صاروا يبحثون عن عقيدتهم ودينهم فلا يجدون من يعرفهم به فتوجهت الرسائل إلى أئمتهم شيوخ العقل طالبة العون فلم تتم الإجابة حتى هدد الدكتور عسراوي قائلا: إن لم تتزحزح مشيخة العقل عن موقفها، لأضعن دينا جديدا ولو لدروز أمريكا وحدهم. وبالفعل ألف كتابا باللغة البرتغالية سماه"الدرزية"سد به ثغرة عند دروز المهجر ولكن لم يعرض عنه مشايخ العقل عند الدروز.
(2) زعيم الدروز السياسي في لبنان ثم تولى الزعامة بعد وفاته ابنه وليد، ويوجد الآن صراع بين آل جنبلاط وبين آل أرسلان على زعامة الدروز، وللذكر فإن آل أرسلان كانوا من أهل السنة وتأثروا من عقيدة مواليهم آل جنبلاط الدروز، حيث كان آل جنبلاط خدما وموالي عند آل أرسلان ثم انقلب الحال وصار آل جنبلاط هم السادة بعد أن غيروا عقيدتهم، وللذكر فقد كانت زوجة كمال جنبلاط الدرزي ابنة شكيب أرسلان وهي أم وليد جنبلاط.
(3) انظر كتابه"المؤامرة ومعركة المصير".