وكذلك إذا قلنا: الكتاب والسنّة والإجماع، فمدلول الثلاثة واحد، فإنّ كلّ ما في الكتاب فالرسول موافق له، والأمّة مجمعة عليه من حيث الجملة، فليس في المؤمنين إلاّ من يوجب اتّباع الكتاب، وكذلك كلّ ما سنّه الرسول صلى الله عليه وسلم فالقرآن يأمر باتّباعه نيّة، والمؤمنون يجمعون على ذلك، وكذلك كلّ ما أجمع عليه المسلمون فإنّه لا يكون إلاّ حقًّا موافقًا للكتاب والسنّة، لكن المسلمون يتلقّون دينهم كلّه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمّا الرسول فينزل عليه وحي القرآن، ووحي آخر هو الحكمة - وهي - سنّة النبيّ نفسه صلى الله عليه وسلم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ألا إنّي أوتيت الكتاب ومثله معه) [[1] ].
قال حسّان ابن عطيّة: كان جبريل ينزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم بالسنّة فيعلّمه إيّاها كما يعلّمه القرآن [[2] ].
فليس كلّ ما جاءت به السنّة يجب أن يكون مفسّرًا في القرآن (أي أنّه تفسير لكتاب الله بل منه ما هو مفصّل لآيات القرآن ومنه ما تشريع مستقلّ) . بخلاف ما يقوله أهل الإجماع (المقصود هنا العلماء) ، فإنّه لا بدّ أن يدلّ عليه الكتاب والسنّة، فإنّ الرسول هو الواسطة بينه وبين الله عزّ وجلّ في أمره ونهيه، وتحليله وتحريمه، والمقصود ذكر الإيمان.
ومن هذا الباب: قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: (لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر) [[3] ]. وقوله صلى الله عليه وسلم: (آية الإيمان حبّ الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار) [[4] ].
فإنّ علمه ما قامت به الأنصار من نصر الله ورسوله من أوّل الأمر، وكان محبًّا لله ولرسوله أحبّهم قطعًا، فيكون حبّه لهم علامة الإيمان الذي في قلبه، ومن أبغضهم لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه الله عليه.
وكذلك من لم يكن في قلبه بغض ما يبغضه الله ورسوله من المنكر الذي حرّمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من الكفر والفسوق والعصيان، لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه الله عليه، فإن لم يكن مبغضًا لشيء من المحرّمات أصلًا، لم يكن معه إيمان أصلًا، كما سنبيّنه إن شاء الله تعالى) ..
عن مجلة نداء الإسلام
(1) رواه أحمد عن المقدام وأخرجه الألباني في صحيح أبي داود.
(2) صحيح
(3) رواه مسلم
(4) رواه مسلم