قراءات في"كتاب الإيمان"
لشيخ الإسلام أحمد ابن تيميّة (3)
التأويل بين المفهوم الحقّ واتّباع الهوى
بقلم الشيخ؛ محمّد القرشي
إنّ الحمد لله نحمده، ونصلّي ونسلّم على عبده ورسوله محمّد وآله وصحبه.
أمّا بعد:
فنكمل مسيرة الإيمان وحقائقه مع إمام من كبار أئمّة المسلمين، عالج هذه القضيّة التي أخطأ المسلمون فهمها هذه الأيّام، فاقتضت النصيحة هذه القراءة، سائلين الله عزّ وجلّ أن ينفعنا بها جميعًا .. آمين.
والآن حان زمن الشروع، فنستعين الله ونتوكّل عليه ونقول:
قال الإمام الحجّة أحمد بن تيميّة رحمه الله:(والمقصود هنا أنّه ينبغي للمسلم أن يقدر قدر كلام الله ورسوله - أي - أن يعظّم كلام الله سبحانه حقّ التعظيم لا من حيث المصدر فقط بل من حيث التشريع والتحكيم، وكذلك كلام رسوله صلى الله عليه وسلم من التبجيل والتقديم على كلّ أحد من خلق الله مهما كان ذلك الشخص عظيمًا. قال الله تعالى {يا أيّها الذين آمنوا لا تُقدّموا بين يدي الله ورسوله واتّقوا الله .. } [[1] ].
بل ليس لأحد أن يحمل كلام أحد من الناس إلا على ما عرف أنّه أراده، لا على ما يحتمله ذلك اللفظ في كلام كلّ أحد، فإنّ كثيرًا من الناس يتأوّل النصوص المخالفة لقوله فيسلك مسلك من يجعل التأويل كأنّه ذكر ما يحتمله اللفظ، وقصده به دفع ذلك فيحتجّ عليه بذلك النصّ، وهذا خطأ، بل جميع ما قاله الله ورسوله يجب الإيمان به، وليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، وليس الاعتناء بمراده في أحد النصّين من الآخر، بأولى من العكس، فإذا كان النصّ الذي وافقه يعتقد أنّه اتّبع فيه مراد الرسول في ذلك النصّ الآخر الذي تأوّله، فيكون أصل مقصوده معرفة ما أراده الرسول صلى الله عليه وسلم بكلامه، وهذا هو المقصود بكلّ ما يجوز من تفسير وتأويل عند من يكون اصطلاحه مغاير معناهما، وأمّا من يجعلهما بمعنى واحد، كما هو الغالب على اصطلاح المفسّرين تأويل عندهم هو التفسير، وأمّا التأويل في كلام الله ورسوله، فله معنى ثالث غير معناه في اصطلاح المفسّرين، وغير معناه في اصطلاح متأخّري الفقهاء الأصوليّين كما يبسط في موضعه) .
قال مقيّده عفا الله عنه:
عند الحديث عن التأويل لا بدّ للمسلم أن يعلم مراد علمائنا من هذه اللفظة، فأقول وبالله التوفيق: عرف الكتاب والسنّة ولسان العرب نوعان من التأويل، وذكر نوع ثالث في كتب المتأخّرين.
فأمّا النوع الأوّل: التأويل يعني ما يؤول إليه الشيء ويرجع إليه وتظهر حقيقة المعنى من المعاني إلى الحقائق الحسّية. ومنها قوله تعالى على لسان يوسف {قال يا أبتِ هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربّي حقًّا} [[2] ].
النوع الثاني: التأويل بمعنى التفسير، وهذا ما ذكره الحديث في دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما (اللهمّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل) .
ويأتي على لسان المفسّرين كالإمام ابن جرير الطبري: (وجاء في تأويل الآية) .
النوع الثالث: التأويل بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى محتمل مرجوع بدليل يدلّ عليه. وهذا القسم يدخل في اللغة الاصطلاحيّة، وليس هو من أقسام اللغة الوضعيّة أو الشرعيّة.
والتأويل بهذا المعنى (أي صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر إلى الذهن أوّلًا إلى معنى آخر بعيد) لا بدّ أن يكون لهذا الصرف ولهذا التأويل دليل قويّ ظاهر مقبول عند العلماء ويحتمله اللفظ.
وأمّا إن كان بدون قرينة قويّة صريحة أو كانت اللغة لا تحتمل مثل هذا التأويل فإنّه لا يعتبر تأويلًا ولا يعذر القائل به.
ومثال ذلك من التأويل البعيد، تأويل بعضهم لقوله صلى الله عليه وسلم (لا صيام لمن لم يبيِّت الصيام من الليل) على أنّه صيام النذر والقضاء. وهذا تأويل بعيد إذ لا دليل على تخصيص ذلك بالقضاء أو النذر. وأمّا التأويل الفاسد الذي لا يعذر صاحبه مثل تأويل الرافضة لقوله تعالى {إنّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [[3] ]قالوا: البقرة هي عائشة (الصدّيقة ابنة الصدّيق رضي الله عنهما) .
(1) الحجرات: 1
(2) يوسف: 100
(3) البقرة: 67