مثال للتأويل الصحيح حتّى يتّضح المقام: كتأويل الحديث النبويّ الصحيح (الجار أحقّ بالشفعة) [[1] ]والذي يفهم منه أن جميع الجيران لهم حق الشفعة (الجار المشارك أو غير المشارك) .
وجاء حديث آخر يحمل صارفًا من المعنى العام للجار إلى معنى الجار المشارك في شارع فقط فقال صلى الله عليه وسلم: (فإذا ضربت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعه) [[2] ].
والصحيح أن نقدّم في الطريق إلى الوصول إلى الحقّ لغة الشرع ما استعمل الشارع من ألفاظ على الطلب للحقّ الالتزام بها وبمداليلها وعدم تجاوزها لغيرها إلاّ إذا أذن الشارع بذلك ويكون ترتيب الحق في هذا؟ استعمال اللغة الشرعيّة أوّلًا فيما وضعت له، ثمّ استعمال اللغة على ما هي عليه وهذا ما يسمّيه العلماء بلغة الوضع.
ثمّ استعمال لغة الاصطلاح، وهو لغة يستعملها علماء كلّ فن من الفنون في فنونهم على أنّها يجب أن لا تخرج عن مفهومات اللغتين السابقتين.
واعلموا أنّ التوسّع في استعمال التأويل، غير السائغ، إنّما هو باب فتنة فتحه من فتحه، وما أراد بذلك إلاّ التفلّت من الالتزام بالمنهج النبويّ والبحث العلميّ، فما أسهل أن يفتي الإنسان برأيه، وأن يتأوّل كلامًا على غير وجهه بغير دليل، وأمّا الغوص في أمّهات الكتب والاسترشاد بأقوال النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإنّه يتطلّب الجهد والوقت والإخلاص والتوجّه الحقّ إلى الحقّ ليعلّمك الحقّ، وهذا مما لا تهواه النفس ولا تشتهيه العقول الضعيفة العاجزة عن القيام بالمهمّات الجسام، يستهونون القول بالرأي، والتقديم بين يدَي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، خاصّة إن دخل ذلك دخن التعصّب لرأي أو مذهب أو إمام.
ولنعد بقرّائنا الأحبة لنقتطف من كلمات شيخ الإسلام ما استطعنا في حلقتنا هذه، والله الهادي إلى سواء السبيل:
(وهذه الآية {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين} ... تدلّ على أنّ إجماع المؤمنين حجّة: من جهة أنّ مخالفتهم مستلزمة لمخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنّ كلّ ما أجمعوا عليه، فلا بدّ أن يكون فيه نصّ من الرسول صلى الله عليه وسلم، فكلّ مسألة يقطع بها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين، فإنّها ممّا بيّن الله فيه الهدى، ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر، كما يكفر مخالف النصّ البيّن.
وأمّا إذا كان يظنّ الإجماع، ولا يقطع به، فههنا قد لا يقطع أيضًا بأنّها مما تبيّن فيه الهدى من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر [[3] ]، بل قد يكون ظنّ الإجماع خطأ والصواب في خلاف هذا القول، وهذا هو فصل الخطاب فيما يكفر به من مخالفة الإجماع وما لا يكفر.
والإجماع هل هو قطعي الدلالة أو ظنّي الدلالة؟
فإنّ من الناس من يطلق الإثبات بهذا أو هذا، ومنهم من يطلق النفي لهذا ولهذا، والصواب التفصيل بين ما يقطع به من الإجماع، أو يعلم يقينًا أنّه ليس فيه منازع من المؤمنين أصلًا، فهذا يجب القطع بأنّه حقّ، وهذا لا بدّ أن يكون ممّا بيّن فيه الرسول الهدى، كما قد بسط هذا في موضع آخر.
ومن جهة أنّه إذا وصف الواجب بصفات متلازمة، دلّ على أنّ كلّ صفة من تلك الصفات متى ظهرت وجب اتّباعها، وهذا مثل الصراط المستقيم الذي أمرنا الله بسؤال هدايته، فإنّه قد وصف بأنّه الإسلام، ووصف بأنّه اتّباع القرآن ووصف بأنّه طاعة الله ورسوله، ووصف بأنّه طريق العبودية، ومعلوم أنّ كل اسم من هذه الأسماء يجب اتّباع مسمّاه، ومسمّاها كلّها واحد وإن تنوّعت صفاته، فأيّ صفة ظهرت وجب اتّباع مدلولها، فإنّه مدلول الأخرى [[4] ]، وكذلك أسماء الله تعالى وأسماء كتابه وأسماء رسوله وأسماء دينه. وكذلك قوله تعالى {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا} [[5] ].
قيل: حبل الله هو دين الإسلام، وقيل: القرآن، وقيل: عهده، وقيل: طاعته وأمره، وقيل: جماعة المسلمين. وكلّ هذا حقّ.
(1) البخاري، أبو داود، ابن ماجه، أبي رافع رقم 3099 في صحيح الجامع
(2) رقم 3630 في صحيح الجامع، رواه الطبراني عن ابن عمر.
(3) الصواب أنّه لا يكفر قطعًا إن شاء الله.
(4) لأنّ كلّ واحدة من هذه الصفات مرجعها إلى الدلالة على الحقيقة الواحدة.
(5) آل عمران: 103