الصفحة 80 من 86

وبعد .. فلا نحسب الآن أن قائلًا يقول، بعد هذا كله: إن معنى الموالاة غير محدد، أو إننا لا نستطيع أن نتخذ مفهوم الموالاة معيارًا في معرفة من يكفر ومن لا يكفر ممن يتلبس بإحدى صور موالاة الكافرين؛ إلا أن يكون هذا القائل ممن يحاول تمييع الحد الفاصل بين الإيمان والكفر؛ لكي يوافق ذلك هوى في نفسه؛ ولكي يمتزج المسلمون مع غيرهم حتى يذوبوا وسطهم في مستنقع الكفر العميق.

لقد انقسم الناس في زماننا هذا، في تعاملهم مع الكفار؛ إلى ثلاثة أقسام: قسم خارج عن الإسلام بمظاهرة الكفار وتوليهم ومناصرتهم بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، مع معاداة أهل الحق ومحاربتهم؛ وقسم خاذل لأهل الإسلام، تارك لمعونتهم، معتزل عن الكفار، ظانًا أنه ناجٍ بهذا؛ وقسم ناصر لدين الله، مجاهد في سبيل الله، موالٍ لأوليائه، معادٍ لأعدائه؛ وهم القليلون عددًا، الأعظمون أجرًا عند الله؛ نسأل الله أن نكون منهم في الدنيا، وأن نحشر معهم يوم القيامة.

إن فريقًا من المنتسبين للإسلام اليوم قد ارتدوا عن دينهم بسبب موالاتهم للكفار وتوليهم لهم بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، بحيث نجد كثيرًا من مدعي الإسلام يمجدون مبادئ الكفر وأنظمته، رغبة أو رهبة، ويستهزءون بشعائر الإسلام في أقوالهم وأفعالهم، بل ويحملون السلاح دفاعًا عن الباطل وأهله، وحربًا للحق وأصحابه، ومع كل هذا الإجرام ينظرون إلى أنفسهم وينظر البعض إليهم على أنهم من المسلمين الصالحين!

إننا كمسلمين لا نرضى بغير منهج الإسلام في التعامل مع الناس، لأن ذلك شرط من شروط صحة الإسلام، فلن نكون مسلمين حقيقة حتى نطبق أحكامه على أنفسنا، ومن هذه الأحكام ما يتعلق بتعاملنا مع غيرنا من الناس والقضية الني نختلف عليها مع غيرنا هي قضية الإيمان بهذا الدين؛ فمن آمن أحببناه وواليناه، ومن كفر أبغضناه وعاديناه. إن انقطاع رابطة العقيدة الإسلامية وآصرة الإيمان بين المسلم والكافر موجب للمفاصلة الحاسمة الجازمة، التي لا تستبقى شيئًا من أواصر المحبة ووشائج المودة والقربى مع من كفروا بالله العظيم.

إن بلاد المسلمين ممتلئة بالهيئات والمؤسسات والجمعيات السرية والظاهرة التي تدعمها اليهودية والصليبية والعلمانية الدولية، والتي تعمل على قدم وساق لإخراج العباد من عبادة رب العباد إلى عبادة البشر بعضهم لبعض، وهم يسلكون في سبيل ذلك وسائل شتى، وطرقًا جهنمية متعددة ظاهرة وخفية؛ ونحن نشاهد اليوم جوانب عظيمة من مكرهم، ونقاسي آلامًا جمة من جرائمهم، يساعدهم في ذلك فئة حقيرة ذليلة دنيئة خسيسة، باعت دينها بعرض من الدنيا؛ وتلك الفئة هي فئة الزنادقة، من رجال الحكم والسياسة، ومراكز الثقافة، والإعلام، والبحث، والتعليم، والأمن، والقضاء، وطائفة من علماء السوء وفقهاء السلطان. وهؤلاء هم أول من يسير في خط الانحراف وموالاة أهل الكفر، ثم يتبعهم الدهماء من الناس، لا يجدون من يرشدهم أو يوجههم إلى الحق من عالم عامل بعلمه، أو حاكم عادل في حكمه.

إن الإسلام لا يتسامح مع من يقولون كلمة (لا إله إلا الله) بأفواههم وتكذبها أفعالهم؛ فيبقون مثلًا بين الكفار يناصرونهم ويوالونهم ضد المسلمين وإذا كان الله - عز وجل - قد نهى عن موالاة المسلمين الذين يقومون مع الكفار ويظاهرونهم وأمر بقتلهم باعتبارهم مرتدين.

فما ظنك بمن يوالي الكفار وهو بين المسلمين؟ أليس هذا الصنف أولى بهذا التهديد والوعيد ممن يداهن الكفار وهو بينهم في بلادهم؟

إن المسلم لا يكون خصمًا لأهل الحق في الدفاع عن أهل الباطل، كما يفعل كثير من المفتونين في هذا العصر. وإن الذين يدافعون عن الأفراد الكافرين، أو الأحزاب والحكومات الكافرة، أو الأنظمة العلمانية المرتدة، ليسوا مسلمين؛ بل لقد وصل الأمر ببعض الأنظمة الكافرة في بعض البلاد العربية إلى حد الدفاع عن اليهود الغزاة في فلسطين، والصليبيين المحاربين للمسلمين في الصومال والبوسنة، والعراق وعن الهجوم الاستعماري الإلحادي على أفغانستان وطاجكستان وأذربيجان وغيرها، مبررين إجرام أسيادهم في الغرب ضد إخواننا المسلمين في هذه البلاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت