الصفحة 78 من 86

وخلاصة القول في عقوبة من يوالي الكافرين؛ أن من والاهم موالاة مطلقة بمعنى (التولي) الذي يوجب الردة عن الإسلام، فعقوبته أن يقتل كفرًا. والراجح كذلك أن يقتل من كانت موالاته للكفار كبيرة من كبائر الذنوب- من نوع ما فعله حاطب - فهذا النوع من الموالاة للكفار لا يحكم بردة فاعله؛ وإنما يقتل بخطيئته بعد قيام البينة الشرعية عليه؛ لأن العلة الخاصة المانعة من قتل حاطب - وهي أنه من أهل بدر - منتفية في حق غيره أو أن يترك أمره للإمام حسبما يراه من التعزير المناسب [1] .

أما ما يقع من موالاة للكفار من صور لا تصل إلى درجة الكفر والردة؛ ولم تكن كبيرة من كبائر الذنوب - من جنس ما فعله حاطب - فإن هذه الأنواع من الموالاة يعزر من ارتكب شيئًا منها بما هو دون القتل [2] .

ومن العقوبات المترتبة على موالاة الكفار أنه إذا كان الموالي للكفار حاكمًا، فإن موالاته للكفار هذه إما أن تكون موالاة كفر وردة عن الإسلام [3] ؛ وفي هذه الحال تسقط البيعة للحاكم والحكومة بنص القرآن الكريم وإجماع الأمة؛ قال تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141] ؛ فلا يجوز أن يكون للكافرين تسلط واستيلاء على المؤمنين، وإن وجد شيء من ذلك، فهو على خلاف الشرع ولا شك، فلا يجوز إقراره [4] لأن ولاية الكافرين على المسلمين أعظم سبيل للتسلط والاستيلاء عليهم.

وقد أمر الله - عز وجل - بعدم الإذعان والطاعة لولي الأمر إذا كان كافرًا، بالردة أو بالأصالة؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] . فطاعة المؤمنين واجبة بنص الآية لولي الأمر إذا كان مؤمنًا من المؤمنين، والمرتد بالولاء للكفار قد خرج بردته من أن يكون مسلمًا، فضلًا عن أن يكون مؤمنًا من المؤمنين؛ وبذلك يفقد حق السمع والطاعة من الأمة؛ فلا حرج ولا إثم عليها لو سحبت البساط من تحته بل يجب عليها عزله وتأثم إن لم تفعل ذلك بعد أن فقد أهليته لهذا المنصب بسبب موالاته للكفار ومناصرته لهم.

وقد تكون موالاة الحاكم والحكومة للكفار كبيرة من كبائر الذنوب، لا ترقى إلى درجة الكفر، ولكنها توجب فسق وجور الحكومة أو الحاكم؛ وقد اختلف العلماء في جواز الخروج على الحاكم الفاسق أو الجائر ..

ولكن مبدأ التسامح مع الحكام أو الحكومات التي تتصف بصفة الفسق أو الجور أو الظلم في موالاتها لأعداء الله وتقريبهم، مبدأ خطير على كيان الأمة ووجودها؛ في الوقت الذي يعتبر فيه المساس بدستور وضعي في دولة غير إسلامية خيانة عظمى يعاقب المعتدي في ذلك بأقصى العقوبات فضلًا عن التنحية والاستبدال [5] .

"أما إذا كانت الموالاة للكفار من صغائر الذنوب التي لا ترقى إلى درجة الكبائر؛ فالواجب في ذلك هو نصح الحاكم أو الحكومة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، حتى يرجعوا عما ارتكبوه من إثم وخطيئة" [6] .

أما كيفية التعامل مع من يتولى الكفار أو يواليهم من الأفراد في القضايا الخاصة؛ مثل أكل الذبائح التي يذبحها من يتولى الكفار، أو التزوج بالنساء اللاتي يوالين الكفار، أو تزويج الرجال الذين يتولون الكفار؛ فقد اختلف العلماء في ذلك: هل يحكم بردة من يتولى الكفار؛ فيعامل معاملة المرتدين في أكل الذبائح وفي حكم الزواج؟ أم يلحق بمن يتولاهم من الكفار؟ فإن تولى اليهود، فحكم التعامل معه حكم التعامل مع اليهود؛ وإن تولى النصارى فحكم التعامل معه حكم التعامل مع النصارى؛ وإن تولى الشيوعيين أو الوثنيين فحكمه حكمهم؟ ...

(1) وبناءً على ذلك فإن الذي يتجسس على المسلمين من أدعياء الإسلام لحساب الكفار، بالأصالة أو العمالة، يجب قتله، سواء قتل كفرًا وردة، أم قتل تعزيرًا بكبيرته.

(2) نيل الأوطار ج8 ص155. وزاد المعاد ج2 ص68. ومختصر الفتاوى المصرية ص 502.

(3) (( ) مثل حال عامة الأنظمة التي تحكم بلاد المسلمين في واقعنا المعاصر.

(4) تفسير ابن سعدي ج2 ص200.

(5) رسالة في عزل الرئيس الأعلى للدولة في نظام الحكم في الإسلام. د/ علي بن فهيد السرباتي ص131 - 132.

(6) الموالاة والمعاداة ص 892 - 893.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت